ولذلك حين سألوا الحسن البصري: كيف يُحسِن الإنسان إلى من أساء إليه؟
أجاب: إذا أساء إليك عبد ، ألاَ يُغضب ذلك ربه منه؟ قالوا: نعم . قال: وحين يغضب الله من الذي أساء إليك ؛ ألا يقف إلى جانبك ؛ أفلا تحُسِن إلى من جعل الله يقف إلى جانبك؟
ولهذا السبب يُروى عن أحد الصالحين أنه سمع أن شخصاً اغتابه ؛ فأهدى إليه مع خادمه طبقاً من بواكير الرطب ، وتعجب الخادم متسائلاً: لماذا تهديه الرطب وقد اغتابك؟
قال العارف بالله: بَلِّغْهُ شكري وامتناني لأنه تصدَّق عليَّ بحسناته عندما اغتابني ، وحسناته بلا شك أنفَسُ من هذا الرطب .
ولذلك يقال: إن الذي يعفو أذكى فهماً ممن عاقب ، لأن الذي يعاقب إنما يعاقب بقوته ؛ والذي يعفو فهو الذي يترك العقاب لقوة الله تعالى ، وهي قوة لا متناهية .
وهكذا نفهم قول الحق سبحانه:
{وكذلك أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ القرى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ} [هود: 102] .
أي: أخذٌ موجعٌ على قدر قوة الله سبحانه ؛ وهو أخذ شديد ؛ لأن الشدة تعني: جمع الشيء إلى الشيء بحيث يصعب انفكاكه ؛ أو أن تجمع شيئين معاً وتقبضهما بحيث يصعب تحلل أي منهما عن الآخر .
وهذه أقوى غاية القوة .
ويقول الحق سبحانه بعد ذلك: {إِنَّ فِي ذلك لآيَةً لِّمَنْ خَافَ عَذَابَ الآخرة}
من يخاف عذاب الآخرة ، فإن هذه الآيات التي تخبر عن الذي حدث للأمم السابقة ، إنما تلفته إلى ضرورة الإيمان بأن الله سبحانه يحاسب كل إنسان على الإيمان وعلى العمل .
ومن يسمع لقصص الأقوام السابقة ؛ ويعتبر بما جاء فيها ؛ وينتفع بالخبرة التي جاءت منها ؛ فهو صاحب بصيرة نافذة ؛ فكل ما حدث للأقوام السابقة آيات ملفتة .
ولذلك يقال:"إن لكل آية من مواليد ؛ هي العبر بالآيات"ومن لا يؤمن فهو لن يعتبر ؛ مصداقاً لقول الحق سبحانه: