فجاء الرد من الحق سبحانه موضحاً خطأ القياس ؛ لأن الرزق عطاء ربوبية يستوي فيه المؤمن والكافر ، والطائع والعاصي ؛ فلا تخلط بين عطاء الربوبية وعطاء الألوهية ؛ لأن عطاء الألوهية تكليف ، وعطاء الربوبية رزق ، لذلك قال الحق سبحانه:
{وَمَن كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلاً ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إلى عَذَابِ النار وَبِئْسَ المصير} [البقرة: 126] .
فأنت يا إبراهيم دعوتَ برزق الأهل بالثمرات لمن آمن ، لأن بؤرة شعورك تعي الدرس ، لكن هناك فرقاً بين عطاء الألوهية في التكليف ، وعطاء الربوبية في الرزق ، فمن كفر سيرزقه ربه ، ويمتعه قليلاً ثم يكون له حساب آخر .
إذن: فأخْذُ الحق سبحانه للظالمين بكفرهم هو عنف التناول لمخالفٍ ، وتختلف قوة الأخذ بقوة الأخذ ، فإذا كان الآخذ هو الله سبحانه ، فهو أخْذ عزيز مقتدر .
وهو أخذ لمن ظلموا أنفسهم بقمة الظلم وهو الكفر ، وإن كان الظلم لحقوق الآخرين فهو فسق ، وأيضاً ظلم النفس فسق ؛ لأن الحق سبحانه حين يُحرِّم عليك أن تظلم غيرك فهو قد حرَّم عليك أيضاً ظلم نفسك .
ويصف الحق سبحانه أخذه للظالمين بقوله:
{إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ} [هود: 102] .
أي: أن أخذه موجع على قدر طلاقة قدرته سبحانه .
وهَبْ أن إنساناً أساء إلى إنسان ، فالحق سبحانه أعطى هذا الإنسان أن يرد السيئة بسيئة ، حتى لا تتراكم الانفعالات وتزداد .
لذلك يقول الحق سبحانه:
{وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُواْ بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ} [النحل: 126] .
حتى لا تبيت انفعالاتك عندك قهراً ، ولكن من كان لديه قوة ضبط النزوع فعليه أن ينظر في قول الحق سبحانه:
{والكاظمين الغيظ} [آل عمران: 134] .
إذن: فإما أن ترد السيئة بعقاب مماثل لها ، وإما أن تكظم غيظك ، أي: لا تُترجم غيظك إلى عمل نزوعي ، وإما أن ترتقي إلى الدرجة الأعلى وهي أن تعفو ؛ لأن الله تعالى يحب من يحسن بالعفو .