{وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا} ؛ أي: محلَّ استقرارها في الأرض، أو محل قرَارِها في الأصلاب {وَمُسْتَوْدَعَهَا} أي: موضِعَها في الأرحام، وما يَجْرِي مَجْرَاها كالبيضة ونحوها، وقال الفراء: {مُسْتَقَرَّهَا} حيث تأوي إليه ليلًا ونهارًا، {ومستودعها} موضِعَها الذي تموت فيه.
ووجه تقدُّمِ المستقر على المستودع على قول الفراء ظاهرٌ؛ وأما على القول الأول، فلعلَّ وجهَ ذلك أنَّ المستقرَّ أنْسَبُ باعتبار ما هي عليه حالَ كونها دابةً.
والمعنى: وما من دابة في الأرض إلا يَرْزقُها اللهُ حيث كَانت من أَماكنها بعد كونها دابةً، وقبل كونها دابةً، وذلك حيثُ تكون في الرحم، ونحوه، ثم خَتَمَ الآية بقوله: {كُلٌّ} ؛ أي: كُلٌّ من الدواب وأرزاقها، ومستقَرّها، ومستودعِها ثابتٌ مَرْقُومٌ {فِي كِتَابٍ مُبِينٍ} ؛ أي: في لوح محفوظ، كَتَبَ الله تعالى فيه مقاديرَ الخَلْقِ كلِّها؛ أي: كلَّ ذلك مذكور في اللوح المحفوظ قبلَ خلقِها، وثابتٌ في عِلْم الله تعالى.
وكأنه أريد بهده الآية ببيان كونه عالمًا بالمعلومات كلها، وبما بعدَها بيانُ كونه قادرًا على الممكنات بأسرها، تقريرًا للتوحيد، ولما سبَقَ من الوعد والوعيد،
7 -ثُمَّ أكَّدَ دلائلَ قدرته بالتعرض لذِكْر خلق السماوات والأرض، وكيف كان الحالُ قبلها، فقال: {وَهُوَ} سبحانه وتعالى الإلهُ {الَّذِي خَلَقَ} وأوجد {السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ} وأنشأهما على غير مثال سبق، أي: خلقهما وما فيهما {فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ} من أيام الله في الخلق والتكوين، وما شاء من الأطوار، لا مِنْ أيَّامِنا في هذه الدار التي وجدت بهذا الخلق، لا قَبْلَه، فلا يصح أنْ تُقدَّر أيامُ الله بأيامِنا المعروفَةِ، وهي المقابلة للَّيالي؛ لأنه لم يكُنْ حينئذ لا أرْضٌ ولا سماء، ويؤيِّد هذا قَوْلُه تعالى: {وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ} ، وقوله: {تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ (4) } .