وأقول: إن هذا الاحتمال الذي أجاب عنه بزعمه قوي جداً ، وما ذكره عن محققي المتأخرين صرح الجمهور بخلافه ، وقد حقق ذلك في موضعه فلا مانع من أن يخلق الله تعالى من الماء الأجرام السماوية والأرضية بل وكل شيء ، وما ذكره في حيز تعليل صرف الأثر عن ظاهره ليس بشيء أصلاً إذ يجوز أن يحيل سبحانه بعض ذلك الماء المالئ أجزاء نارية وبعضه أجزاء أرضية ويجعل المجموع دخاناً ، وكذا يجوز أن يحيل البعض أجزاء هوائية فتمازج أجزاء صغاراً مائية متلطفة بحرارة يخلقها حيث شاء فيتكون البخار ، وفي الأثر عن وهب بن منبه أنه جل شأنه قبض قبضة من الماء ثم فتح القبضة فارتفع الدخان ثم قضاهن سبع سموات في يومين ويؤول حديث الارتفاع بما لا يستدعي الفضاء نحو أن يكون المعنى فوجد بعضه دخاناً مرتفعاً ، وقد يقال: يجوز أن يكون الماء في ابتداء الخلقة مالئاً للعرش ثم أنه سبحانه لما أراد أن يخلق ما يخلق أفنى منه ما أراد وخلق بلا فاصل يتحقق معه الخلاء بدله ما خلق لا من شيء ، والقول باستحالة هذا الخلق مفض إلى فساد عظيم وخطب جسيم لا يكاد يستسهله أحد من المسلمين وهو ظاهر ، وما ذكره في دفع قول شيخ الإسلام: أنه لو دل لدل الخ غير ظاهر فيه ، قيل: إذ الاعتراض بطريق أنه لو دل لدل على وجود الخلاء لا على إمكانه الصرف لأن الشيء إذا كان موجوداً كان وجوده ضرورياً لا ممكناً صرفاً على ما بين في محله ، وينادي على أن الاعتراض كذلك تقييد الإمكان في عبارته بقيد فقط مع القول بالدلالة على الوجود.