ذَكَرَ الْحَافِظُ ابْنُ عَسَاكِرَ فِي التَّارِيخِ لَهُ عَنِ الْحَسَنِ: أَنَّ نُوحًا أَوَّلُ رَسُولٍ بَعَثَهُ اللَّهُ إِلَى) [أَهْلِ] الْأَرْضِ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَلَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا) [النكبوت: 14] وَكَانَ قَدْ كَثُرَتْ فِيهِمُ الْمَعَاصِي، وَكَثُرَتِ الْجَبَابِرَةُ وَعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيرًا، وَكَانَ نُوحٌ يَدْعُوهُمْ لَيْلًا وَنَهَارًا، سِرًّا وَعَلَانِيَةً، وَكَانَ صَبُورًا حَلِيمًا، وَلَمْ يَلْقَ أَحَدٌ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ أَشَدَّ مِمَّا لَقِيَ نوح، فكانوا يدخلون عليه
فَيَخْنُقُونَهُ حَتَّى يُتْرَكَ وَقِيذًا، وَيَضْرِبُونَهُ فِي الْمَجَالِسِ وَيُطْرَدُ، وَكَانَ لَا يَدْعُو عَلَى مَنْ يَصْنَعُ به بل يدعوهم ويقول: (رب اغفر بقومي فإنهم لَا يَعْلَمُونَ) فَكَانَ لَا يَزِيدُهُمْ ذَلِكَ إِلَّا فِرَارًا مِنْهُ، حَتَّى إِنَّهُ لَيُكَلِّمُ الرَّجُلَ مِنْهُمْ فَيَلُفُّ رَأْسَهُ بِثَوْبِهِ، وَيَجْعَلُ أُصْبُعَيْهِ فِي أُذُنَيْهِ لِكَيْلَا يَسْمَعَ شَيْئًا مِنْ كَلَامِهِ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَإِنِّي كُلَّما دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصابِعَهُمْ فِي آذانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيابَهُمْ) [نوح: 7] .
وَقَالَ مُجَاهِدٌ وَعُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ: كَانُوا يَضْرِبُونَهُ حَتَّى يُغْشَى عَلَيْهِ فَإِذَا أَفَاقَ قَالَ: (رَبِّ اغْفِرْ لِقَوْمِي فَإِنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ) .