قَالَ النَّحَّاسُ: وَهَذِهِ الْأَقْوَالُ لَيْسَتْ بِمُتَنَاقِضَةٍ، لِأَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ أَخْبَرَنَا أَنَّ الْمَاءَ جَاءَ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، قَالَ: (فَفَتَحْنا أَبْوابَ السَّماءِ بِماءٍ مُنْهَمِرٍ. وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُوناً) [القمر: 12 - 11] .
فَهَذِهِ الْأَقْوَالُ تَجْتَمِعُ فِي أَنَّ ذَلِكَ كَانَ عَلَامَةً.
وَالْفَوَرَانُ الْغَلَيَانُ.
وَالتَّنُّورُ اسْمٌ أَعْجَمِيٌّ عَرَّبَتْهُ الْعَرَبُ، وَهُوَ عَلَى بِنَاءِ فَعَّلَ، لِأَنَّ أَصْلَ بِنَائِهِ تَنَّرَ، وَلَيْسَ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ نُونٌ قَبْلَ رَاءٍ.
وَقِيلَ: مَعْنَى (فارَ التَّنُّورُ) التَّمْثِيلُ لِحُضُورِ الْعَذَابِ، كَقَوْلِهِمْ: حَمِيَ الْوَطِيسُ إِذَا اشْتَدَّتِ الْحَرْبُ.
وَالْوَطِيسُ التَّنُّورُ.
وَيُقَالُ: فَارَتْ قِدْرُ الْقَوْمِ إِذَا اشْتَدَّ حَرْبُهُمْ، قَالَ شَاعِرُهُمْ:
تَرَكْتُمْ قِدْرَكُمْ لَا شَيْءَ فِيهَا ... وَقِدْرُ الْقَوْمِ حَامِيَةٌ تَفُورُ
قَوْلُهُ تَعَالَى: (قُلْنَا احْمِلْ فِيها مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ) يَعْنِي ذَكَرًا وَأُنْثَى، لِبَقَاءِ أَصْلِ النَّسْلِ بَعْدَ الطُّوفَانِ.
(وَأَهْلَكَ)
أَيْ وَاحْمِلْ أَهْلَكَ.
(إِلَّا مَنْ سَبَقَ) (مِنْ) فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ بِالِاسْتِثْنَاءِ.
(عَلَيْهِ الْقَوْلُ)
مِنْهُمْ أَيْ بِالْهَلَاكِ، وَهُوَ ابْنُهُ كَنْعَانُ وَامْرَأَتُهُ وَاعِلَةُ كَانَا كَافِرَيْنِ.
(وَمَنْ آمَنَ) قَالَ الضَّحَّاكُ وَابْنُ جُرَيْجٍ: أَيِ احْمِلْ مَنْ آمَنَ بِي، أَيْ مَنْ صَدَّقَكَ، فَ (مِنْ) فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ بِ (احْمِلْ) .
(وَما آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ) قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: آمَنَ مِنْ قَوْمِهِ ثَمَانُونَ إِنْسَانًا، مِنْهُمْ ثَلَاثَةٌ مِنْ بَنِيهِ، سَامٌ وَحَامٌ وَيَافِثُ، وَثَلَاثُ كَنَائِنَ لَهُ.
وَلَمَّا خَرَجُوا مِنَ السَّفِينَةِ بَنَوْا قَرْيَةً وَهِيَ الْيَوْمُ تُدْعَى قَرْيَةُ الثَّمَانِينَ بِنَاحِيَةِ الْمَوْصِلِ.