ولهذا لم يهلكهم إهلاك الأمم المكذبة استئصالا"إِلَّا قَلِيلًا مِمَّنْ أَنْجَيْنا"استثناء منقطع ، أي لكن قليلا منهم وهم الذين آمنوا بالرسل أنجيناهم مع رسلهم ، لأنهم كانوا عونا لهم في النهي عن الفساد وسائرهم تاركون له ، ومن في قوله ممن للبيان لا للتبعيض ، لأن النجاة للناهين وحدهم بدليل قوله (أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا)
الآية 165 من الأعراف في ج 1"وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا ما أُتْرِفُوا فِيهِ"من النعم وترفهوا فيه من الشهوات وحب الرياسة ، ورفضوا الأمر بالمعروف ونبذوا النهي عن المنكر ، وأعرضوا عن حق اللّه فجعلوه ظهريا.
والترف التوسع في النعمة ، وقد يتعدى به إلى ما لا يحل ، قال تعالى (وَإِذا أَرَدْنا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنا مُتْرَفِيها فَفَسَقُوا فِيها)
الآية 16 من الإسراء في ج 1"وَكانُوا مُجْرِمِينَ 117"بعملهم ذلك فحكم اللّه عليهم بالعذاب لارتكابهم الجرائم وأعظمهم الكفر.
قال تعالى"وَما كانَ رَبُّكَ"يا سيد الرسل"لِيُهْلِكَ الْقُرى بِظُلْمٍ"منه والتنوين للتفخيم والإيذان بأن إهلاك المصلحين ظلم عظيم ويراد منه تنزيه اللّه تعالى عن ذلك على أبلغ وجه ، وإلا فلا ظلم منه أصلا فيما يفعله بعباده ، كائنا ما كان لما علم مما مر من قاعدة أهل السنة والجماعة الملمع إليها في الآية 92 من سورة يونس المارة وفي مواضع كثيرة في الجزء الأول.
مطلب لا يجوز نسبة الظلم إلى اللّه وأن الأمر غير الإرادة:
واعلم أنه لا يجوز نسبة الظلم إلى اللّه تعالى بوجه من الوجوه ، لأن ذلك محال ، قال صاحب الزبد:
وله أن يؤلم الأطفالا ووصفه بالظالم استحالا