ومثال ذلك ولله المثل الأعلى حين يأتي وزير الزراعة ، ويعلن أننا قدَّرنا محصول القطن هذا العام ، بحساب مساحة الأراضي المنزرعة قطناً ، وبالمتوسط المتوقع لكل فدان ، وقد يصيب الحكم ، وقد يخيب نتيجة العوامل والظروف الأخرى المحيطة بزراعة القطن ، فمن المحتمل أن يُصاب القطن بآفة من الآفات ، مثل: دودة اللوزة ، أو دودة الورقة .
إذن: ففي المجال البشري قد يصيب التقدير وقد يخطئ ؛ لأن الإنسان يُقدِّر بغير علم مُطْلق ، بل بعلم نسبي .
أما تقدير الحق سبحانه فهو تقدير أزلي ، وحين يُقدّر الحق سبحانه فلا بد من وقوع ما قدَّره .
ولذلك يجب أن نفرق بين قضاء حكم لازم قهري ليس للإنسان فيه تصرف ، وبين قدر قد قُدِّر من الله تعالى أن يفعله الإنسان باختياره ، وهذه هي عظمة علم الغيب .
ومثال ذلك: هو سلوك أبي لهب ، فقد نزل فيه قرآن يُتلَى:
{تَبَّتْ يَدَآ أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ * مَآ أغنى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ} [المسد: 12] .
وقد نزلت السورة وأبو لهب على قيد الحياة ؛ لأن الحق سبحانه قد علم أزلاً أن خواطر أبي لهب لن تدفعه إلى الإيمان ، ولو أن أبا لهب امتلك ذرة من ذكاء لجاء لرسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: أنت قلت عنِّي إنني سأصْلَى النار ، لكن ها أنذا أعلن أنني أشهد ألا إله إلا الله وأشهد أنك رسول الله .
لكن ذلك الذكاء لم يكن يملكه أبو لهب ، فقد علم الله أزلاً أن خواطره لن تدفعه إلى الإسلام ، مثلما دفعت حمزة بن عبد المطلب عم النبي صلى الله عليه وسلم وعمر بن الخطاب ، وخالد بن الوليد ، وعمرو بن العاص . وكان إسلام هؤلاء رغم وقوفهم ضد النبي صلى الله عليه وسلم أمراً وارداً .
وقد يُقدِّر البشر التقدير ، لكن هذا التقدير إنما يتم حسب المعلومات المتاحة لهم ، ولا يملك إنسان علماً كونيّاً أزليّاً بتقديراته ، فعلمه محدود ، وقد يأتي الأمر على غير ما يُقدِّر ؛ لأن الإنسان لا يملك ما يقدر .