وإذا كانت الآية التي سبقت توضح: إن كنت في شك فاسأل ، فهو سبحانه يعطيه السؤال ؛ ليستمع منه إلى الجواب ، وليُسْمعه لكل الأمة ؛ الجواب القائل: أنا لا أشك ولا أسأل ، وحسبي ما أنزل الله سبحانه عليَّ .
ألم يَرِدْ في القرآن الكريم أن الحق سبحانه وتعالى يقول للملائكة يوم القيامة بمحضر من عبدوا الملائكة ، ويشير إلى هؤلاء الذين عبدوا الملائكة ومخاطباً ملائكته .
{أهؤلاء إِيَّاكُمْ كَانُواْ يَعْبُدُونَ} [سبأ: 40] .
ونحن نعلم أن الملائكة:
{لاَّ يَعْصُونَ الله مَآ أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ} [التحريم: 6] .
والحق سبحانه يعلم مسبقاً جواب الملائكة ، وهم يقولون:
{سُبْحَانَكَ أَنتَ وَلِيُّنَا مِن دُونِهِمْ} [سبأ: 41] .
ولكنه سبحانه وتعالى أراد أن يُسْمِع من في الحشر كلهم جواب الملائكة وهم يستنكرون أن يعبدهم أحد من الخَلق ، فهؤلاء الخلق إنما عبدوا الجن .
إذن: فالسؤال جاء ؛ ليبين الرد عليه ، مثلما يرد عيسى عليه السلام حين يُعبد من بعض قومه ، ويسأله سبحانه عن ذلك:
{أَأَنتَ قُلتَ لِلنَّاسِ اتخذوني وَأُمِّيَ إلهين مِن دُونِ الله} [المائدة: 116] .
فيأتي الجواب:
{سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ} [المائدة: 116] .
إذن: فالمراد أن يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: أنا لا أشك ولا أسأل .
والشك كما نعلم معناه: تساوي كفة النفي وكفة الإثبات ، فإن رجحت واحدة منهما فهذا ظن ، وتكون المرجوحة وَهْماً وافتراء وكذباً .
وكلمة"الشك"مأخوذة من مسألة حسية ، فنحن نرى الصيادين وهم يصعون كل سمكة بعد اصطيادها في خيط يسمى"المشكاك".
وكذلك نرى من يقوم ب (لضْم) العقود ، وهو يشك الحبة في الخيط .
من هذا نأخذ أن الشك معناه: ضَمُّ شيء إلى شيء ، ومنه الشكائك ، وهي البيوت المنتظمة بجانب بعضها البعض .