ومضى كتاب الله في نفس السياق يتحدث عن الأمم الغابرة التي كذبت بآيات الله، فأخذها الله أخذا وبيلا، ولم ينفعها إيمانها الاضطراري في آخر لحظة، عند نزول العقاب، وحلول العذاب، اللهم إلا قوم يونس، فإنهم -بمجرد ما فقدوا نبيهم- إذ ذهب مغاضبا لهم- أحسوا بأن عذاب الله قد أخذ يقترب من ساحتهم، فبادروا بالتوبة إلى الله توبة نصوحا، بصدق وندم، قبل أن يدركهم العذاب، والتجأوا إلى الله أربعين ليلة يرتجون عفوه، ويسألون لطفه، خاشعين مهطعين، فلم يصبهم العذاب الذي أنذرهم به نبيهم يونس من قبل، لأنهم تداركوا أمره بالتوبة دون تأخير، وما كاد يونس يعود إليهم حتى وجدهم قد تابوا وآمنوا {فَآمَنُوا فَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ} [الصافات: 148] وذلك قوله تعالى في هذا الربع {فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا} أي
لما آمنوا في الوقت المناسب قبل نزول العذاب {كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} أي حلنا بينهم وبين العذاب، بسبب إيمانهم وتوبتهم قبل حلول العذاب، وذلك على خلاف ما فعله غيرهم، حيث لم يؤمنوا إلا عند حلول العذاب لا قبله، فلم ينفعهم إيمانهم في اللحظة الأخيرة، لأنه إيمان مطعون فيه صادر عن اضطرار وإجبار، لا عن اقتناع واختيار {وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ} أي متعنا قوم يونس إلى حين انتهاء آجالهم.
وبهذا التفسير يتضح أن الاستثناء الوارد في قوله تعالى: {إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ} هو من باب الاستثناء المنقطع بمعنى: (ولكن قوم يونس لما آمنوا كشفنا عنهم العذاب) .