بالضلال لأن قوله: (ليضلوا) قرئ بفتح الياء وضمها وعلى التقديرين
الْمُرَاد دعاء عليهم بالثبات عَلَى الضلال أو عَلَى الإضلال رَجَّحَ كونه أمرًا غائبًا في مَوْضع
الدعاء ليناسب ما بعده (رَبَّنَا اطْمِسْ) الآية. فإنه وإن كان الدعاء بلفظ الغائب
لكنه مستلزم الدعاء بلفظ الأمر الحاضر بطَريق الكناية؛ إذ بقاؤهم عَلَى تلك الحالة لا يكون
إلا بعدم هدايته تَعَالَى كأنه قال عَلَيْهِ السَّلَامُ:"ربنا لا توفقهم للإيمان حتى يضلوا عن"
سبيلك"عن دينك القويم والصراط المستقيم حتى يروا العذاب الأليم."
قوله:(بما علم من ممارسة أحوالهم أنه لا يكون غيره كقولك: [لعن] الله إبليس. وقيل
اللام للعاقبة وهي متعلقة بـ آتَيْتَ) هذا إشَارَة إلَى دفع إشكال بأن هذه الدعوة تنافي بحسب
الظَّاهر غرض البعثة وهو الدعوة إلَى الإيمان والهدى ودفع بأنه لما علم عَلَيْهِ السَّلَامُ أنه
كائن لا محالة بممارسة أحوالهم مع الوحي أنهم لا يُؤْمنُونَ دعا بهذا الدعاء وأدرجنا الوحي
في البيان؛ إذ العلم بمجرد ممارسة أحوالهم أنه لا يكون غيره مع أنه من المغيبات في تحققه
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * *
وذلك أنه لما عرض عليهم آيات الله وبيناته عرضًا مكررًا وردد عليهم النصائح
والمواعظ زمانًا طويلًا وحذرهم عذاب الله وانتقامه وأنذرهم عاقبة ما كانوا عليه من الكفر والضلال
المبين وراءهم لا يزيدون عَلَى عرض الآيات إلا كفرًا وعلى الإنذار إلا [استكبارًا] وعلى النصيحة إلا
نبوًا ولم يبق له مطمع فيهم، وعلم بالتجربة وطول النصيحة أنه لا يجيء منهم إلا [الغي] والضلال
وأن إيمانهم كالمحال الذي لا يدخل تحت الصحة، وعلم ذلك بوحي الله اشتد غضبه وأفرط مقته
وكراهته لحالهم فدعا الله عليهم بأنه لم يبق له فيهم حيلة وأنهم لا يستأهلون إلا أن يخذلوا ويخلى
بينهم وبين ضلالهم يتسكعون فيه كأنه قال: ليثبتوا عَلَى ما هم عليه من الضلال وليكُونُوا ضلالا
وليطبع الله عَلَى قُلُوبهمْ فلا يؤمنوا. إلَى هنا كلامه. يتسكعون أي يتحيرون يقال: فلان يتسكع أي لا
يدري أين يتوجه أطنب الزَّمَخْشَريّ في تفسير هذه لما أن مضمون الآية مخالف لمذهبه ومثبت
لمذهب الأشاعرة القائلين إن هذه الآية مما يستدل به عَلَى أن الله تَعَالَى يضل الناس ويريد إضلالهم
وذلك أن اللام في قوله: (ليضلوا) لام التعليل. والْمَعْنَى أنك أعطيتهم من الزينة
والأموال لأجل أن يضلوا وهذا صريح في أنه تَعَالَى يريد إضلالهم فاضطر الزمخشري إلَى أن
يحمل قوله (ليضلوا) عَلَى الدعاء لا عَلَى التعليل ليندفع حجة الأشاعرة فقيل عليه إن كان هذا دعاء
عليهم فلم صدره بقوله (إنك آتيت) الخ. فلا فَائدَة فيه عَلَى تقدير أنه دعاء وهذا يمنع أن يحمل
ليضلوا عَلَى الدعاء وحمل قوله (إنك آتيت) الخ. عَلَى تمهيد الدعاء تكلف فالوجه أن تكون اللام في
ليضلوا للتعليل وقوله: (ربنا) تكريرا للأول. والْمَعْنَى آتيت فرعون وملأه زينة
وأموالًا ليضلوا عن سبيلك يدل عليه مجيء اطمس واشدد عَلَى صيغة الخطاب دون الغيبة ولو كان
ليضلوا دعاء عليهم لكان الأنسب أن يجاء بدل ليضلوا بصيغَة أمر المخاطب ويقال ربنا أضِلهم
بكشر الضاد. قال صاحب الفرائد: الوجه أن يقال إن اللام في ليضلوا للتعليل وإلا فما وجه قوله:
(رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالًا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا) وإنما عدل صاحب
الكَشَّاف إلَى أمر الغائب [ميلًا] إلَى مذهبه. قال صاحب الانتصاف هذا اعتزال خفي فرارًا من أن [تكون]
اللام فيه لام كي فيدل عَلَى أن الله أمدهم لعلة الإضلال استدراجًا كما قال (لِيَزْدَادُوا إِثْمًا) ففر من
هذا وحمل عَلَى معتقده.