على قومه؛ إذ قال: (رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا(26) . فقد
كان أعلمه عز جلاله بأنهم لا يؤمنون بقوله:(أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ
آمَنَ)فدعا عليهم، إذ قد يأس من إيمانهم بالكلية ويقول تعالى: (إِنَّكَ
إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا (27) .
وقال نوح - عليه السَّلام -: (رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا(26) .
وقد جاء عن نوح - عليه السَّلام -: إنه يعتذر يوم القيامة لأهل المحشر في ترك الإقدام
على الشفاعة لأهل الجمع بدعوته على قومه، ونبذه لهم وتبرئتهم من ذلك؛ وكيف
هذا وقد جاء المدح من الله - جلَّ جلالُه - لنوح وموسى وهارون في دعائهم ذلك، وهم لا
ينطقون عن الهوى، كيف لا وإنما استاق - عز وجل - ذلك عن نوح وموسى وهارون -
صلوات الله وسلامه عليهم - في معرض المدح لهم والرضا بما فعلوه من ذلك،
وقال موسى لقومه: (عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ)
ففي هذا رجاء منه أن يهلك الله عدوهم فرعون وأتباعه،
فيهلكهم الله، وهم عدو له وللمؤمنين، ومنه يتخرج - أعني: دعاء الرسل على
قومهم الذين يئسوا من إيمانهم [ الملائكة] فالشفاعة فيما أذن لهم فيه بأن
يتمه.
وقال جل قوله: (وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ)
إلى قوله جل قوله:(وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا
يَحْذَرُونَ)وقال لهما: (أَنْتُمَا وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغَالِبُونَ(35)
ثم أذن لهما في الدعاء عليه، كالشفاعة فيما أذن الله جل ذكره في فعله.
وقال عز من قائل: (وَأُوحِيَ إِلَى نُوحٍ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ
فَلَا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (36) وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا)
المعنى: فقيض عبده ورسوله فيما قدره أن يتمه.
(فصل)
إنه لا يؤهل للشفاعة في عباد الله في الآخرة إلا من دعا لهم ونصحهم في