قال جل ذكره:(أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فَإِنْ يَشَإِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلَى قَلْبِكَ
وَيَمْحُ اللَّهُ الْبَاطِلَ وَيُحِقُّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ)أي: من المعهود جري
الأمور وقضاؤها على أسباب لها معهودة، فإذا قضى أمرًا على سبب غير
معهود في تيسير أو قضاه بغير سبب معلوم، فهو من المقدور الغائب، وذلك هو
المقضي بكلمة الله فافهم.
قوله جل ذكره: (وَقَالَ مُوسَى يَا قَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ(84)
الإيمان أولاً ثم العمل بالمفروض فذلك الإسلام ثم التوكل،
وهو من عمل الإسلام بمشاركة الإيمان فيه أما حظ الإيمان فيه فالعلم بأن فعل الله
لا يفعله سوى الله، وأن ما سوى الله عباد مملوكون لا يملكون ضرًّا ولا نفعًا
ولا موتًا ولا حياة ولا نشورًا ولما حط الإسلام فيه فترك التصرف في أكثر
الأسباب لأجل العلم الذي وقر في القلب.
(فصل)
من التوكل ما هو فرض، ومنه ما هو فضيلة، ومنه ما هو مباح، ومنه ما هو
مكروه، ومنه أيضًا ما هو حرام.
أما ما هو منه فريضة: فهو إذا تقدم الإيمان والعمل فالتوكل على الله - عز وجل - في
الوفاء بوعده بمثال الثواب فريضة.
قال الله - عز وجل -: (وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ) .
وقال: (ادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ) .
وقال: (فَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ) وهو كثير.
وأما ما هو منه فضيلة: فالتوكل على الله جل ذكره في ترك بعض الأسباب، لا
سيما الأسباب التي توصف ببعض البعد عن مثال المطلوب، وكلما بعد
السبب عن مثال المطلوب في الأغلب فالسعي في ذلك داخل في خبر المكروه
واتباع ذلك إشغال للقلوب عن العمل للآخرة وترك ما هو الأولى.
وأما هو منه حرام: فهو أن يترك العمل الذي أمره الله به اتكالاً على ما سبق له
في الأزل، فإن تركه للعمل بما أمره الله به من طاعته هو من علامات شقائه السابق
له في الأزل؛ إذ كل يسعى فيما سبق له.