ويحتمل ما ترك من قومه الإيمان بموسى من ترك إلا على خوف من فرعون أن يفتنهم أي: يقتلهم ويعذبهم، ففيه دلالة أن الخوف لا يعذر المرء في ترك الإيمان حقيقة، وإن كان يعذر في ترك إظهاره؛ لأن الإيمان هو التصديق والتصديق يكون بالقلب ولا أحد من الخلائق يطلع على ذلك؛ لذلك لم يعذر في ترك إتيانه لأنه يقدر على إسراره، ألا ترى إلى قوله: (وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ) ، كان مؤمنًا فيما بينه وبين ربه وإن لم يظهر.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَعَالٍ فِي الْأَرْضِ) وهو ما قال - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ) أي: قهر وغلب على أهل الأرض وإنه لمن المسرفين.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَقَالَ مُوسَى يَا قَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ(84)
فيه دلالة أن الإيمان والإسلام واحد في الحقيقة؛ لأنه بدأ بالإيمان بقوله: (إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ) وختم بالإسلام بقوله: (إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ) دل أنهما واحد هو اعتقاد ترك نضييع كل حق، والإسلام اعتقاد تسليم كل حق وترك تضييعه، واللَّه أعلم. والإسلام هو جعل كلية الأشياء لله سالمة، والإيمان هو التصديق بكلية الأشياء فيما فيها من الشهادة لله بالربوبية له والألوهية.
وقوله: (فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ) يحتمل هذا وجهين:
يحتمل: أن يكون قال ذلك لما خافوا مواعيد فرعون وعقوباته؛ كقوله للسحرة لما آمنوا: (لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ...) الآية، فقال عند ذلك: (فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا) في دفع ذلك عنكم، فقالوا: (عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ(85)