قَالَ: وَإِنَّمَا يُقَالُ: وَمَا كُنْتَ أَهْلًا لِلْفِعْلِ، وَلَا يُقَالُ لِتَفْعَلَ إِلَّا قَلِيلًا. قَالَ: وَهَذَا مِنْهُ.
وَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ عِنْدِي: أَنَّهَا لَامُ كَيْ، وَمَعْنَى الْكَلَامِ: رَبَّنَا أَعْطَيْتَهُمْ مَا أَعْطَيْتَهُمْ مِنْ زِينَةِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْأَمْوَالِ لِتَفْتِنَهُمْ فِيهِ، وَيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ عِبَادَكَ، عُقُوبَةً مِنْكَ.
وَهَذَا كَمَا قَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: {لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ} .
وَقَوْلُهُ: {رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ} هَذَا دُعَاءٌ مِنْ مُوسَى، دَعَا اللَّهَ عَلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ أَنْ يُغَيِّرَ أَمْوَالَهُمْ عَنْ هَيْئَتِهَا، وَيُبْدِلَهَا إِلَى غَيْرِ الْحَالِ الَّتِي هِيَ بِهَا، وَذَلِكَ نَحْوُ قَوْلِهِ: {مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا}
يَعْنِي بِهِ: مِنْ قَبْلِ أَنْ نُغَيِّرَهَا عَنْ هَيْئَتِهَا الَّتِي هِيَ بِهَا، يُقَالُ مِنْهُ: طُمِسَتْ عَيْنُهُ أَطْمِسُهَا وَأَطْمِسُهَا طَمْسًا وَطُمُوسًا، وَقَدْ تَسْتَعْمِلُ الْعَرَبُ الطَّمْسَ فِي الْعَفْوِ وَالدُّثُورِ وَفِي الِانْدِقَاقِ وَالدُّرُوسِ، كَمَا قَالَ كَعْبُ بْنُ زُهَيْرٍ:
[البحر البسيط]
مِنْ كُلِّ نَضَّاخَةِ الذِّفْرَى إِذَا عَرِقَتْ ... عُرْضَتُهَا طَامِسُ الْأَعْلَامِ مَجْهُولُ
وَقَدِ اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي تَأْوِيلِ ذَلِكَ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ، فَقَالَ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ فِيهِ مِثْلَ قَوْلِنَا.
عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْقُرَظِيِّ، قَالَ: «اجْعَلْ سُكَرَهُمْ حِجَارَةً»
عَنْ قَتَادَةَ، قَالَ: بَلَغَنَا أَنَّ زُرُوعَهُمْ تَحَوَّلَتْ حِجَارَةً""
قَالَ ابْنُ زَيْدٍ، فِي قَوْلِهِ:" {رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ} قَالَ: قَدْ فَعَلَ ذَلِكَ، وَقَدْ أَصَابَهُمْ ذَلِكَ؛ طَمَسَ عَلَى أَمْوَالِهِمْ، فَصَارَتْ حِجَارَةً ذَهَبُهُمْ، وَدَرَاهِمُهُمْ، وَعَدَسُهُمْ، وَكُلُّ شَيْءٍ"
وَقَالَ آخَرُونَ: مَعْنَى ذَلِكَ: أَهْلِكْهَا.
وَأَمَّا قَوْلُهُ: {وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ} فَإِنَّهُ يَعْنِي: وَاطْبَعْ عَلَيْهَا حَتَّى لَا تَلِينَ وَلَا تَنْشَرِحَ بِالْإِيمَانِ.
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ:"فَاسْتَجَابَ اللَّهُ لَهُ، وَحَالَ بَيْنَ فِرْعَوْنَ وَبَيْنَ الْإِيمَانَ حَتَّى أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ، فَلَمْ يَنْفَعْهُ الْإِيمَانُ"
عَنْ مُجَاهِدٍ:" {وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ} قَالَ: بِالضَّلَالَةِ"