(قَالَ مُوسَى مَا جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ إِنَّ اللَّهَ لَا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ(81)
ذكر العز والزركشي: لا يصلح: مضمن معنى (لا يرضى) ، أو من مجاز المحذف أي لا يصلح عاقبة عمل المفسدين. وقال الآلوسي: لا يصلح: المراد منه عدم إثبات عمل المفسدين، لا جعل الفاسد صالحا، فلا
يثبته ولا يديمه بل يزيله ويمحقه، أو لا يقويه ولا يؤيده بل يظهر بطلانه.
وذكر الزمخشري: لا يصلح: أي لا يثبته ولا يديمه.
أقول: إن دوافع اللقاء في هذا المهرجان هي: إزالة خطر السحر عن معتقداتهم. أفصح عن هذا الدافع جواب موسى عليه السلام: (مَا جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ) ، لدرء التهمة الموجهة إليه. وهو الواثق بربه أن يحق الحق ويبطل الباطل حين قال: (إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ) ثم أكد هذا المعنى بقوله: (إِنَّ اللَّهَ لَا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ) . وهل يتوسم فيها أثارة من صلاح، وهي ما هي من الزيف والتخييل والوهم؟!.
الفعل (يصلح) بصيغته في الماضي (أصلح) على وزن أفعل يفيد: مصادفة الشي على صفة من الصفات تقول: أحمدت سعيدا: صادفته محمودا وأكرمت عليا: وجدته كريما، وأبخلت زيدا: صادفته بخيلا. وعلى هذا فاللَّه لم يصادف صلاحا في عمل السحرة ولم يطالع فيها فلاحا ولم يلق فيها خيرا قط.
ومن معاني (أفعل) : التسمية. فنقول: أخطيت سميرا: سميته مخطئا وأصلحت عملك: سميته صالحا، وعليه نقول: (لَا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ) : أي لا يسميه ربنا صالحا. وما ذهب إليه الزمخشري من عدم إثبات العمل ودوامه يوقعنا في إلباس، أما قول العز أو الزركشي: (لا يصلح) مضمن معنى (لا يرضى) فاستثقال يتحاماه السياق ويستولي الجفاء على جُملته.
وأما قول الآلوسي: (لا يؤيد ولا يقوي) فرأي فطير ليس فيه استحكام علة.
نخلص من هذا العزوف عن التضمين نأياً عن تجشم الكلفة فلا ذِكْرَ له، ولا [[عَيْجَ] ] به وإنَّمَا يكشف اللَّه زيف السحرة فلا يسمي عملهم صالحا لأنه لم يصادف فيه خيرا، وكيف يفلحون وقال فيهم: (وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى) وكيف يفلحون وسماهم ربنا مفسدين؟!
وإصرار المفسرين على التضمين ليس بحجة لأن مرجع ذلك إلى الاستنباط والفكرة وطريق المعرفة بها الروية ومستقاها سفْر الخاطر في صيدها حتى يكشف له عنها.
فإذا كان كذلك، لزم ما رُمْته، وصح به ما قدمته.
وإذا الأمورُ تشابهت ... لزمتُ بعضَ أصولها
وإذا الوجوهُ تَشعَّبت ... أخذتُ خير فروعها انتهى انتهى {التضمين النحوي في القرآن الكريم، للدكتور/ محمد نديم فاضل} ...