وقد بين سبحانه من الذين لَا ينفرون، فقال: (فَلَوْلا نَفَرَ مِن كلِّ فِرْقَةٍ منْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ) ، فهنا نفوران، واحد منفي، وواحد مثبت، فأما المنفي، فهو النفور للجهاد، وهو منفي عن الكافة أي ليس للكافة أن ينفروا جميعا للجهاد، والنفير الثاني المثبت المحرض عليه، أن ينفر من كل فرقة طائفة - أي ناس متخصصون في التفقه في الدين، وهؤلاء ينفرون لهذا العلم من كل فرقة مقدار من الناس. واحد أو اثنان أو أكثر عددا، وإنهم ينفرون من فِرَقِهم إلى الرسول، وينفرون بعد تفقههم إلى قبائلهم.
وكان المؤمنون ينقسمون إلى قسمين أحدهما ينفر للجهاد، والآخر يبقى في المدينة، متعلما فقه الدين، وينفر إلى الرسول ليعلمه، ويرجع إلى قومه لينذرهم.
وهنا ملاحظات بيانية.
أولاها - أن مسمى الاتجاه إلى الفقه يدرسه نفير؛ لأنه أولا ينفر له ناس لدراسة القرآن وفقه الإسلام إلى النبي صلى اللَّه تعالى عليه وسلم، ثم يرجع إلى أهله، ولأن العكوف على علم الإسلام لَا يقل فضلا عن الجهاد في سبيل اللَّه تعالى، وأنه جهاد مثله؛ لأنه من قبيل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بالإيجاب، والجهاد أمر بالمعروف ونهي عن المنكر برفع الاعتداء وتمهيد السبيل.
الثانية - أن قوله تعالى: (فَلَوْلا نَفَرَ. . .) (الفاء) للإفصاح عن شرط مقدر تقديره إذا كان المؤمنون لَا ينفرون للحرب كافة، فإن طائفة تخصص للفقه لينذروا قومهم إذا رجعوا، وقوله تعالى: (فَلَوْلَا) ، لولا هنا للتحريض على الفقة في الدين.
الثالثة - أن الفقه هو العلم، وهو العلم النافذ الذي يخترق العوائق لإدراك لب الدين، ويقول الغزالي في هذا المقام: كان الفقه في العصر الأول اسما لعلم الآخرة، ومعرفة دقائق آفات النفوس ومفسدة الأعمال، والإحاطة بحقارة الدنيا، وشدة التطلع إلى نعيم الآخرة، واستيلاء الخوف على القلب.
الرابعة - أن اللَّه تعالى قال: (لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ) ، ولم يقل لعلهم يتفقهون، وذلك لأن الخوف من عذاب اللَّه تعالى وتقليل الخوف من العذاب هو ثمرة الفقه في الدين.