فهرس الكتاب
⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.

⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.
الصفحة 197912 من 466147

(فَصْلٌ: فِيمَا وَرَدَ مِنْ خِطَابِهِ إِيَّاهُ مَوْرِدَ الْمُلاطَفَةِ وَالْمَبَرَّةِ)

فَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى (عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لهم)

قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ مَكِّيُّ قِيلَ هَذَا افْتِتَاحُ كَلَامٍ بِمَنْزِلَةٍ: أَصْلَحَكَ اللَّهُ، وَأَعَزَّكَ اللَّهُ.

وَقَالَ عَوْنُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: أَخْبَرَهُ بِالْعَفْوِ قَبْلَ أَنْ يُخْبِرَهُ بِالذَّنْبِ، حَكَى السَّمَرْقَنْدِيُّ عَنْ بَعْضِهِمْ أَنَّ مَعْنَاهُ: عافاك الله يا سَلِيمَ الْقَلْبِ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ، قَالَ وَلَوْ بَدَأَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِقَوْلِهِ: لِمَ أذنت لهم، لَخِيفَ عَلَيْهِ أنْ يَنْشَقَّ قَلْبُهُ مِنْ هَيْبَةِ هَذَا الْكَلَامِ، لَكِنَّ اللَّهَ تَعَالَى بِرَحْمَتِهِ أَخْبَرَهُ بِالْعَفْوِ حَتَّى سَكَنَ قَلْبُهُ، ثُمَّ قَالَ لَهُ: لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ بِالتَّخَلُّفِ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الصَّادِقُ فِي عُذْرِهِ مِنَ الْكَاذِبِ؟ وفِي هَذَا مِنْ عَظِيمِ مَنْزِلَتِهِ عِنْدَ اللَّهِ مَا لَا يَخْفَى عَلَى ذِي لُبٍّ، وَمِنْ إِكْرَامِهِ إيَّاهُ وَبِرِّهِ بِهِ ما يَنْقَطِعُ دُونَ مَعْرِفَةِ غَايَتِهِ نِيَاطُ الْقَلْبِ، قَالَ

نِفْطُوَيْهِ: ذَهَبَ نَاسٌ إِلَى أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُعَاتَبٌ بِهَذِهِ الآيَةِ، وَحَاشَاهُ مِنْ ذَلِكَ، بَلْ كَانَ مُخَيَّرًا، فَلَمَّا أَذِنَ لَهُمْ أَعْلَمَهُ اللَّهُ تَعَالَى أنَّهُ لَوْ لَمْ يَأْذَنْ لَهُمْ لَقَعَدُوا لِنِفَاقِهِمْ، وَأنَّهُ لَا حَرَجَ عَلَيْهِ فِي الإِذْنِ لَهُمْ.

قَالَ الْفَقِيهُ الْقَاضِي وَفَّقَهُ اللَّهُ تَعَالَى: يَجِبُ عَلَى الْمُسْلِمِ الْمُجَاهِدِ نَفْسَهُ، الرَّائِضِ بِزَمامِ الشَّرِيعَةِ خُلُقَهُ أنْ يَتَأدَّبَ بِآدَابِ الْقُرْآنِ فِي قَوْلِهِ وَفِعْلِهِ وَمُعَاطَاتِهِ وَمُحَاوَرَاتِهِ، فَهُوَ عُنْصُرُ الْمَعَارِفِ الحقيقة وَرَوْضَةُ الآدَابِ الدِّينِيَّةِ وَالدُّنْيَوِيَّةِ، وَلْيَتَأَمَّلْ هَذِهِ المُلاطَفَةَ الْعَجِيبَةَ فِي السُّؤَالِ مِنْ رَبِّ الْأَرْبَابِ: الْمُنْعِمِ عَلَى الْكُلِّ، الْمُسْتَغْنِي عَنِ الجميع ويستشير مَا فِيهَا مِنَ الْفَوَائِدِ وَكَيْفَ ابْتَدَأَ بِالْإِكْرَامِ قَبْلَ الْعَتَبِ، وَآنَسَ بِالْعَفْوِ قَبْلَ ذِكْرِ الذَّنْبِ إِنْ كَانَ ثَمَّ ذَنْبٌ. انتهى انتهى {الشفا، للقاضي عياض} ...

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت