وَأَمَّا أَئِمَّةُ الْأَمْصَارِ فَمِنَ النَّقْلِ الْعَامِّ عَنْهُمْ مَا ذَكَرْنَاهُ آنِفًا ، وَمِنْهُ النُّصُوصُ الْخَاصَّةُ الْكَثِيرَةُ الْمَنْقُولَةُ عَنْهُمْ فِي الْمَسَائِلِ الَّتِي يَرَوْنَ حَظْرَهَا وَالتَّعْبِيرَ عَمَّا لَيْسَ فِيهِ نَصٌّ قَطْعِيٌّ مِنْهَا بِمِثْلِ أَكْرَهُ كَذَا ، أَوْ لَا أَرَاهُ ، أَوْ لَا أَفْعَلُهُ وِفَاقًا لِمَا ذَكَرَهُ إِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ مِنْ أَئِمَّةِ التَّابِعِينَ عَنْ عُلَمَاءِ الصَّحَابَةِ وَأَمْثَالِهِ مِنَ التَّابِعِينِ . وَلَكِنْ قَسَّمَ بَعْضُ أَتْبَاعِ أَئِمَّةِ الْأَمْصَارِ مَا كَانُوا يُصَرِّحُونَ بِكَرَاهَتِهِ إِلَى كَرَاهَةِ تَحْرِيمٍ وَكَرَاهَةِ تَنْزِيهٍ ، وَجَعَلَ بَعْضُهُمُ التَّحْرِيمَ هُوَ الْأَصْلَ الْمُرَادَ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ غُلُوًّا فِي الدِّينِ .
قَالَ ابْنُ مُفْلِحٍ فِي مُقَدِّمَةِ كِتَابِهِ الْفُرُوعِ فِي بَيَانِ مَا جَرَى عَلَيْهِ الْحَنَابِلَةُ فِيمَا يُسَمُّونَهُ مَذْهَبَ الْإِمَامِ أَحْمَدَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - ، وَقَوْلُهُ: لَا يَنْبَغِي ، أَوْ لَا يَصِحُّ ، أَوْ أَسْتَقْبِحُهُ ، أَوْ هُوَ قَبِيحٌ ، أَوْ لَا أَرَاهُ - لِلتَّحْرِيمِ اهـ . وَمِنْهُ يُعْلَمُ الْفَرْقُ بَيْنَ احْتِيَاطِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ ، وَاتِّقَائِهِ تَحْرِيمَ شَيْءٍ عَلَى عِبَادِ اللهِ بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ قَطْعِيَّةٍ عَنِ اللهِ تَعَالَى ، وَتَسَاهُلِ بَعْضِ الْفُقَهَاءِ مِنْ أَتْبَاعِهِ وَغَيْرِهِمْ وَتَشْدِيدِهِمْ فِي ذَلِكَ . وَأَحْمَدُ اللهَ أَنَّهُمْ لَمْ يَتَّفِقُوا عَلَى أَنَّ مَا ذُكِرَ لِلتَّحْرِيمِ ، فَقَدْ نَقَلَ عَنْهُ ابْنُ مُفْلِحٍ نَفْسُهُ قَوْلًا آخَرَ مُسْتَنَدُهُ رِوَايَاتٌ عَنْ أَحْمَدَ فِي عَدَمِ
التَّحْرِيمِ . ثُمَّ قَالَ: وَفِي"أَكْرَهُ"أَوْ"لَا يُعْجِبُنِي"