فَسَكَتَ النَّاسُ حَتَّى قَضَى كَلامَهُ ثُمَّ بَكَوْا حَتَّى عَلَتْ أَصْوَاتُهُمْ وَقَالُوا: صَدَقْتَ يَا خَتَنَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
(أَنْفِقِ الْمَالَ قَبْلَ إِنْفَاقِكَ الْعُمْرَ ... فَفِي الدَّهْرِ رِيَبُهُ وَمَنُونُهُ)
(قَلَّمَا يَنْفَعُ الثَّرَاءُ بَخِيلا ... غَلِقَتْ فِي الثَّرَى الْمَهِيلِ رُهُونُهُ)
(لَوْ نَجَا مِنْ حِمَامِهِ جَاعِلُ الْمَالِ ... مَعَاذًا لَهُ نَجَا قَارُونُهُ)
(خَازِنُو الْمَالِ سَاجِنُوهُ وَمَا كَانَ ... يَسْعَى لِسَاجِنٍ مَسْجُونُهُ)
لَمَّا طُبِعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى أَشْرَفِ الأَخْلاقِ كَانَ مِنْهَا الْكَرَمُ, فَأُعْطِيَ غَنَمًا بَيْنَ جَبَلَيْنِ, فَلَمَّا سَارَ فِي فَيَافِي الْجُودِ تَبِعَهُ صَدِيقُهُ فَجَاءَ بِكُلِّ ماله فَقَالَ: مَا أَبْقَيْتَ؟ قَالَ أَبْقَيْتُ اللَّهَ وَرَسُولَهُ.
(سَبَقَ النَّاسُ إِلَيْهَا صَفْقَةً ... لَمْ يَعُدْ رَائِدُهَا عَنْهَا بِغَبْنِ)
(هِزَّةٌ لِلْجُودِ صَارَتْ نَشْوَةً ... لَمْ يكدر عندها العرف بمن)
(طلبوا الشاء فوافى سابقا ... جرع غبر في وجه المشن)
جَازَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ عَلَى بِلالٍ وَهُوَ يُعَذَّبُ فَجَذَبَ مِغْنَاطِيسُ صَبْرِ بِلالٍ حَدِيدَ صِدْقِ الصِّدِّيقِ, وَلَمْ يَبْرَحْ حَتَّى اشْتَرَاهُ وَكَسَرَ قَفَصَ حَبْسِهِ, فَكَانَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ: أَبُو بَكْرٍ سَيِّدُنَا وَأَعْتَقَ بِلالا سَيِّدَنَا.
تَعِبَ فِي الْمَكَاسِبِ فَنَالَهَا حَلالا, ثُمَّ أَنْفَقَها حَتَّى جَعَلَ فِي الْكِسَاءِ خِلالا, قَالَ لَهُ الرَّسُولُ أَسْلِمْ فَكَانَ الْجَوَابُ نَعَمْ بِلا: لا, وَلَوْ لَمْ يَفْعَلْ فِي الإِسْلامِ إِلا أَنَّهُ أَعْتَقَ بِلالا.
(أَبُو بَكْرٍ حَبَا فِي اللَّهِ مَالا ... وَأَعْتَقَ فِي مَحَبَّتِهِ بِلالا)
(وَقَدْ وَاسَى النَّبِيَّ بِكُلِّ فَضْلٍ ... وَأَسْرَعَ فِي إجابته بلا: لا)
(لو أن البحر يقصده ببعض ... لما ترك الإله به بلالا)
كَانَتْ فَضَائِلُهُ الْبَاطِنَةُ مَسْتُورَةً بِنِقَابِ (مَا سَبَقَكُمْ أَبُو بَكْرٍ بِصَوْمٍ وَلا صَلاةٍ, وَلَكِنْ بِشَيْءٍ وَقَرَ فِي صَدْرِهِ)
فَهِيَ مُجَانَسَةٌ لِمَنْقَبِهِ: {فَأَوْحَى إلى عبده ما أوحى} .