كما قال: {فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُوقَ وَلاَ جِدَالَ فِي الحج} على هذا أكثر أهل التأويل.
أي لا تظلموا في الأربعة الأشهر أنفسكم.
وروى حماد بن سلمة عن عليّ بن زيد عن يوسف بن مِهْران عن ابن عباس قال:"فَلا تظلِموا فِيهِن أنفسكم"في الاثني عشر.
وروى قيس بن مسلم عن الحسن عن محمد ابن الحنفية قال: فيهنّ كلهن.
فإن قيل على القول الأوّل: لِم قال فيهنّ ولم يقل فيها؟ وذلك أن العرب يقولون لما بين الثلاثة إلى العشرة: هنّ وهؤلاء، فإذا جاوزوا العشرة قالوا: هي وهذه، إرادةَ أن تعرف تسمية القليل من الكثير.
وروي عن الكِسائي أنه قال: إني لأتعجب من فعل العرب هذا.
وكذلك يقولون فيما دون العشرة من الليالي: خَلَوْن.
وفيما فوقها خَلَت.
لا يقال: كيف جُعل بعض الأزمنة أعظم حُرمة من بعض؛ فإنا نقول: للبارئ تعالى أن يفعل ما يشاء.
ويخص بالفضيلة ما يشاء، ليس لعمله عِلّة ولا عليه حجر، بل يفعل ما يريد بحكمته، وقد تظهر فيه الحكمة وقد تخفى.
قوله تعالى: {وَقَاتِلُواْ المشركين كَآفَّةً} فيه مسألة واحدة:
قوله تعالى:"قَاتِلُوا"أمر بالقتال.
و"كَافَّةً"معناه جميعاً، وهو مصدر في موضع الحال.
أي محيطين بهم ومجتمعين.
قال الزجاج: مثل هذا من المصادر عافاه الله عافية وعاقبه عاقبة.
ولا يثنيّ ولا يجمع، وكذا عامّة وخاصّة.
قال بعض العلماء: كان الغرض بهذه الآية قد توجّه على الأعيان ثم نسخ ذلك وجعل فرض كفاية.
قال ابن عطية؛ وهذا الذي قاله لم يُعلم قطُّ من شرع النبيّ صلى الله عليه وسلم أنه ألزم الأُمة جميعاً النّفْر؛ وإنما معنى هذه الآية الحض على قتالهم والتحزب عليهم وجمع الكلمة.
ثم قيدها بقوله: {كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَآفَّةً} فبحسب قتالهم واجتماعهم لنا يكون فرض اجتماعنا لهم. والله أعلم. انتهى انتهى. {تفسير القرطبي حـ 8 صـ}