وكانت مضر تحرّم رجباً نفسَه ؛ فلذلك قال النبيّ صلى الله عليه وسلم فيه:"الذي بين جمادى وشعبان"ورفع ما وقع في اسمه من الاختلال بالبيان.
وكانت العرب أيضاً تسميه مُنْصِل الأسِنّة ؛ روى البخارِيّ عن أبي رَجاء العُطارِديّ واسمه عمران بن مِلْحان وقيل عمران بن تَيْم قال: كنا نعبد الحجر ، فإذا وجدنا حجراً هو خير منه ألقيناه وأخذنا الآخر ، فإذا لم نجد حجراً جمعنا حثوة من تراب ثم جئنا بالشاء فحلبنا عليه ثم طُفنا به ، فإذا دخل شهر رجب قلنا مُنْصِل الأسنّة ؛ فلم نَدَعْ رُمْحاً فيه حديدة ولا سهماً فيه حديدة إلا نزعناها فألقيناه.
الخامسة قوله تعالى: {ذلك الدين القيم} أي الحساب الصحيح والعدد المستوْفَى.
وروى عليّ بن أبي طلحة عن ابن عباس:"ذلك الدِّين"أي ذلك القضاء.
مُقاتل: الحق.
ابن عطية: والأصوب عندي أن يكون الدِّين هاهنا على أشهر وجوهه ؛ أي ذلك الشرع والطاعة.
"الْقَيِّمُ"أي القائم المستقيم ؛ من قام يقوم.
بمنزلة سيد ؛ من ساد يسود.
أصله قَيوِم.
السادسة قوله تعالى: {فَلاَ تَظْلِمُواْ فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ} على قول ابن عباس راجع إلى جميع الشهور.
وعلى قول بعضهم إلى الأشهر الحُرُم خاصّةً ؛ لأنه إليها أقرب ولها مزية في تعظيم الظلم ؛ لقوله تعالى: {فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُوقَ وَلاَ جِدَالَ فِي الحج} [البقرة: 197] لا أن الظلم في غير هذه الأيام جائز على ما نبيّنه.
ثم قيل: في الظلم قولان: أحدهما لا تظلموا فيهن أنفسكم بالقتال ، ثم نسخ بإباحة القتال في جميع الشهور ؛ قاله قَتادة وعطاء الخُرساني والزُّهريّ وسفيان الثَّوريّ.
وقال ابن جُريج: حلف بالله عطاء بن أبي رَباح أنه ما يحل للناس أن يغزوا في الحَرَم ولا في الأشهر الحرم إلا أن يقاتلوا فيها ، وما نُسخت.
والصحيح الأوّل ؛ لأن النبيّ صلى الله عليه وسلم غزا هوازِن بُحنين وثقيفاً بالطائف ، وحاصرهم في شوّال وبعض ذي القَعدة.