وإنما يصيبهم العذاب بأيدي المسلمين إذا ظهر منهم الكفر الذي أضمروه، فالمسلمون لا يشقون عن قلوبهم، إنما يعاملونهم بما يظهر منهم على ألسنتهم وجوارحهم.
وقد صحت الأحاديث الكثيرة في قتل المرتد عن عدد من الصحابة، وهو قول جمهور الأمة. وقد روى عن عمر ما يدل على جواز سجن المرتد واستبقائه حتى يراجع نفسه، ويتوب إلى ربه. وبه أخذ النخعي والثوري.
وهذا ما أرجحه في شأن الردة الصامتة، أما الردة المجاهرة الداعية، فلا أظن ابن الخطاب أو النخعي أو الثوري يرضى أحد منهم أن يطلق العنان للأفكار الهدامة لعقائدالأمة، دون التصدي لها، والوقوف في وجه دعاتها، وإن كان وراءهم من يسند ظهرهم ويشد أزرهم.
فالواجب أن نفرق بين الردة الخفيفة والردة الغليظة، وأن نميز بين المرتد الصامت والمرتد الداعية إلى ردته، فإنه ممن يحارب الله ورسوله ويسعى في الأرض فسادا. وقد فرق العلماء في البدعة بين المخففة والمغلظة، وبين الداعية إلى بدعته وغير الداعية.
كفر النفاق
ومن أغلظ أنواع الكفر وأشدها خطرا على الحياة الإسلامية والوجود الإسلامي: كفر النفاق، لأن أصحابه يعيشون بين ظهراني المسلمين، باعتبارهم منهم، يشاركونهم في أداء الصلاة، وإيتاء الزكاة، وإقامة الشعائر، وهم مع ذلك أعداء لهم في باطن الأمر، يكيدون لهم، ويمكرون بهم، ويوالون أعداءهم. ولهذا عنى القرآن ببيان أخبارهم، وكشف أستارهم، والتعريف بأوصافهم وأخلاقهم، وسميت سورة التوبة:"الفاضحة"لأنها تتبعت أصنافهم، وجلت أوصافهم، كما نزلت فيهم سورة خاصة بهم ـ"المنافقون"ـ وآيات كثيرة كثيرة من كتاب الله عز وجل.
وفي أوائل سورة البقرة تحدثت السورة عن المتقين في ثلاث آيات، أو أربع، وعن الكفار في آيتين. أما المنافقون فقد استغرق الحديث عنهم ثلاث عشرة آية.
لهذا ادخر الله لهم أسفل دركات النار، كما قال سبحانه: (إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار ولن تجد لهم نصيرا، إلا الذين تابوا وأصلحوا واعتصموا بالله وأخلصوا دينهم لله فأولئك مع المؤمنين) .