فهرس الكتاب
⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.

⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.
الصفحة 193887 من 466147

هذا الخلل الكبير الذي أصاب أمتنا اليوم في معايير أولوياتها، حتى أصبحت تُصغِّر الكبير، وتُكبِّر الصغير، وتُعظِّم الهين، وتُهوِّن الخطير، وتُؤخِّر الأول، وتُقدِّم الأخير، وتهمل الفرض وتحرص على النفل، وتكترث للصغائر، وتستهين بالكبائر، وتعترك من أجل المختلَف فيه، وتصمت عن تضييع المتفَق عليه .. كل هذا يجعل الأمة اليوم في أمَسِّ الحاجة - بل في أشد الضرورة - إلى"فقه الأولويات"، لتُبدئ فيه وتُعيد، وتناقش وتحاور، وتستوضح وتتبين، حتى يقتنع عقلها، ويطمئن قلبها، وتستضيء بصيرتها، وتتجه إرادتها بعد ذلك إلى عمل الخير وخير العمل.

علاقة فقه الأولويات بفقه المقاصد

ويرتبط فقه الأولويات كذلك بـ"فقه مقاصد الشريعة"فمن المتفق عليه، أن أحكام الشريعة في مجموعها معللة، وأن وراء ظواهرها مقاصد هدف الشرع إلى تحقيقها. فان من أسماء الله تعالى"الحكيم"الذي تكرر في القرآن بضعاً وتسعين مرة. والحكيم لا يشرع شيئاً عبثاً ولا اعتباطاً، كما لا يخلق شيئاً باطلاً، سبحانه.

حتى التعبديات المحضة في الشرع لها مقاصدها، ولهذا علل القرآن العبادات ذاتها، فالصلاة (تنهى عن الفحشاء والمنكر) (العنكبوت: 45) ، والزكاة (تطهرهم وتزكيهم بها) (التوبة: 103) ، والصيام (لعلكم تتقون) (البقرة: 183) ، والحج (ليشهدوا منافع لهم ويذكروا اسم الله) (الحج: 28) .

ومن حسن الفقه في دين الله أن ندرك مقصود الشرع من التكليف، حتى نعمل على تحقيقه، وحتى لا نشدد على أنفسنا وعلى الناس فيما لا يتصل بمقاصد الشرع وأهدافه.

ومن هنا لا أرى مبرراً للتشديد في ضرورة إخراج صدقة الفطر من الأطعمة في كل البيئات في عصرنا، حتى المدنية والحضرية منها، فليست هي مقصودة لذاتها، إنما المقصود إغناء الفقير في هذا اليوم الأغر عن السؤال والطواف.

ولا أرى معنى للتشديد في رمي الجمار في الحج قبل الزوال، وإن ترتب على ذلك شدة الزحام وموت المئات تحت الأقدام كما حدث في الموسم الماضي، فليس في الشرع ما يدل على أن هذا أمر مقصود لذاته. بل المقصود هو ذكر الله، والمطلوب هو التيسير ورفع الحَرَج.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت