تمهيد
من المفاهيم المهمة في فقهنا اليوم: ما نبهتُ عليه في عدد من كتبي، وهو ما أسميته (فقه الأولويات) وكنت أطلقت عليه قبل - وخصوصاً في كتابي: (الصحوة الإسلامية بين الجحود والتطرف) - (فقه مراتب الأعمال) . وأعني به: وضع كل شيء في مرتبته بالعدل، من الأحكام والقِيَم والأعمال، ثم يُقدِّم الأَوْلى فالأَوْلى، بناءً على معايير شرعية صحيحة يهدي إليها نور الوحي، ونور العقل: (نورٌ على نورٍ) (النور: 35) .
فلا يقدم غير المهم على المهم، ولا المهم على الأهم، ولا المرجوح الراجح، ولا المفضول على الفاضل، أو الأفضل.
بل يقدم ما حقه التقديم، ويُؤخِّر ما حقه التأخير، ولا يُكبِّر الصغير، ولا يُهوِّن الخطير، بل يوضع كل شيء في موضعه بالقسطاس المستقيم، بلا طغيان ولا إخسار، كما قال تعالى: (والسماء رفعها ووضح الميزان، ألا تطغوا في الميزان، وأقيموا الوزن بالقسط ولا تخسروا الميزان) (الرحمن: 7 - 9) .
وأساس هذا: أن القيم والأحكام والأعمال والتكاليف متفاوتة في نظر الشرع تفاوتاً بليغاً، وليست كلها في رتبة واحدة، فمنها الكبير ومنها الصغير، ومنها الأصلي ومنها الفرعي، ومنها الأركان ومنها المكملات، ومنها ما موضعه في الصلب، وما موضعه في الهامش، وفيها الأعلى والأدنى والفاضل والمفضول.
وهذا واضح من النصوص نفسها، كما في قول الله تعالى: (أجعلتم سقاية الحاجِّ وعمارة المسجد الحرام كمن آمن بالله واليوم الآخر وجاهد في سبيل الله، لا يستوون عند الله، والله لا يهدي القوم الظالمين * الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم أعظم درجة عند الله، وأُولئك هم الفائزون) (التوبة: 19، 20) .
وقول الرسول الكريم: (الإيمان بِضْع وسبعون شُعْبة: أعلاها"لا إله إلا الله"، وأدناها: إماطة الأذى عن الطريق)
وقد كان الصحابة رضي الله عنهم حريصين كل الحرص على أن يعرفوا الأَوْلى من الأعمال، ليتقرَّبوا إلى الله تعالى به، ولهذا كثرت أسئلتهم عن أفضل العمل، وعن أحب الأعمال إلى الله تعالى، كما في سؤال ابن مسعود وأبى ذر وغيرهما، وجواب النبي (صلى الله عليه وسلم) . ولذا كثر في الأحاديث: أفضل الأعمال كذا، أو أحب الأعمال إلى الله كذا وكذا.