أجعلتموهما في ذلك كالإيمان والجهادِ وشتانَ بينهما فإن السقايةَ والعمارةَ وإن كانتا في أنفسِهما من أعمال البرِّ والخيرِ لكنهما وإن خَلَتا عن القوادح بمعزل عن صلاحيةِ أن يُشبَّه أهلُهما بأهل الإيمان والجهادِ أو يُشَّبهَ أنفسُهما بنفس الإيمان والجهادِ، وذلك قوله عز وجل: {لاَ يَسْتَوُونَ عِندَ الله} أي لا يساوي الفريقُ الأول الثانيَ من حيث اتصافُ كلَ منهما بوصفيهما ومن ضرورته عدمُ التساوي بين الوصفَين الأولين وبين الآخَرَين لأنه المدارَ في التفاوت بين الموصوفَين، وإسنادُ عدمِ الاستواءِ إلى الموصوفين، لأن الأهمَّ بيانُ تفاوتِهم، وتوجيهُ النفي هاهنا والإنكارُ فيما سلف إلى الاستواء والتشبيهِ مع أن دعوى المفتخِرين بالسقاية والعمارةِ من المشركين والمؤمنين إنما هي الأفضليةُ دون التساوي والتشابه للمبالغة في الرد عليهم فإن نفيَ التساوي والتشابهِ نفيٌ للأفضلية بالطريق الأولى، والجملةُ استئنافٌ لتقرير الإنكارِ المذكورِ وتأكيدِه، أو حال من مفعولي الجَعل، والرابطُ هو الضميرُ كأنه قيل: أسوَّيتم بينهم حال كونِهم متفاوتين عنده تعالى وقوله تعالى: {والله لاَ يَهْدِى القوم الظالمين} حُكمٌ عليهم بأنهم مع ظلمهم بالإشراك ومعاداةِ الرسولِ صلى الله عليه وسلم ضالون في هذا الجعلِ غيرُ مهتدين إلى طريق معرفةِ الحقِّ وتمييزِ الراجحِ من المرجوح، وظالمون بوضع كلَ منهما موضعَ الآخَر وفيه زيادةُ تقريرٍ لعدم التساوي بينهم. انتهى انتهى. {تفسير أبي السعود حـ 4 صـ}