قوله: {أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تُتْرَكُواْ وَلَمَّا يَعْلَمِ الله الذين جَاهَدُواْ مِنكُمْ} ، الآية.
{أَن تُتْرَكُواْ} : في موضع مفعولي"حسبت"عند سيبويه .
وقال المبرد: {أَن تُتْرَكُواْ} : مفعول أول ، والثاني مفعول محذوف.
و {أَمْ} هنا: استفهام ، والمعنى: أحسبتم أيها المؤمنون كذا وكذا ؟ .
ومعنى الآية: أنها خطاب للمسلمين الذين أمرهم الله بقتال المشركين الذين نقضوا العهد ، وأخرجوا الرسول ، يقول تعالى: أحسبتم ، أيها المؤمنون أن يترككم الله بغير محنة ، وبغير اختيار ، ليعلم الصادق منكم من الكاذب ، علم مشاهدة . وقد كان علم ذلك ، تعالى ، قبل خلق العالم ، ولكن المجازاة إنما تقع على المشاهدة ، فيعلم المجاهدين الذين لم {وَلَمْ يَتَّخِذُواْ مِن دُونِ الله وَلاَ رَسُولِهِ وَلاَ المؤمنين وَلِيجَةً} ، أي: بِطَانَةً من المشركين ، يفشون إليهم من سرهم.
قال الطبري: إنما دخلت {أَمْ} في موضع الألف هنا ؛ لأنه من الاستفهام المعترض في وسط الكلام ، فدخلت لتفرق بين الاستفهامم الذي يبتدأ به ، والاستفهام الذي يعترض.
في وسط الكلام .
ومثله: {الم * تَنزِيلُ الكتاب لاَ رَيْبَ [فِيهِ] مِن رَّبِّ العالمين} [السجدة: 1 - 2] ، ثم قال: {أَمْ يَقُولُونَ} [السجدة: 3] ، بمعنى: أيقولون.
ومثله: {أَفَلاَ تُبْصِرُونَ * أَمْ أَنَآ/ خَيْرٌ} [الزخرف: 51 - 52] ، أي: أنا خير.
وهذه {أَمْ} هي التي تسمى"المنقطعة ، ولا يقدر الكلام معها ب-:"أيهم"ولا ب-:"أيهما"."
{والله خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} .
أي: ذو خبر بعملكم إن اتخذتم بطانةً من المشركين تفشون إليهم سر المؤمنين.
ونظير هذه الآية: {الم * أَحَسِبَ الناس أَن يتركوا أَن يقولوا آمَنَّا وَهُمْ لاَ يُفْتَنُونَ} [العنكبوت: 1 - 2] ، أي: يختبرون ، ثم قال: {وَلَقَدْ فَتَنَّا الذين مِن قَبْلِهِمْ} ، إلى: {وَلَيَعْلَمَنَّ الكاذبين} [العنكبوت: 3] .