فَالْمَجْنُونُ إِذًا مَنْ يَتْرُكُ مَا فِيهِ سَعَادَةَ الدُّنْيَا بِاعْتِرَافِهِ ، وَسَعَادَةَ الْآخِرَةِ وَلَوْ عَلَى احْتِمَالٍ لَا ضَرَرَ فِي تَخَلُّفِهِ ، لَا مَنْ يَدْعُو إِلَى السَّعَادَتَيْنِ ، أَوْ إِلَى شَيْئَيْنِ يَجْزِمُونَ بِأَنَّ أَحَدَهُمَا نَافِعٌ قَطْعًا وَالْآخِرَ إِمَّا نَافِعٌ وَإِمَّا غَيْرُ ضَارٍّ . هَذَا مَا دَعَاهُمْ إِلَيْهِ صَاحِبُهُمْ بِكِتَابِ رَبِّهِمْ مُؤَيَّدًا بِالْبَرَاهِينِ الْعَقْلِيَّةِ وَالْعِلْمِيَّةِ ، لَعَلَّهُمْ يَعْقِلُونَ وَيَعْلَمُونَ .
فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ وَرَدَتْ هَذِهِ الْآيَةُ بِنَصِّهَا فِي آخِرِ سُورَةِ الْمُرْسَلَاتِ ، الْآيَةِ رَقْمِ"50"الَّتِي أُقِيمَتْ فِيهَا الدَّلَائِلُ عَلَى الْبَعْثِ وَالْجَزَاءِ ، وَتَهْدِيدِ الْمُكَذِّبِينَ بِالْوَيْلِ وَالْهَلَاكِ بَعْدَ تَقْرِيرِ كُلِّ نَوْعٍ مِنْهَا . وَوَرَدَ فِي الْآيَةِ السَّادِسَةِ مِنْ سُورَةِ الْجَاثِيَةِ (45) بَعْدَ التَّذْكِيرِ بِآيَاتِ اللهِ لِلْمُؤْمِنِينَ ، وَآيَاتِهِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ ، وَآيَاتِهِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ، قَوْلُهُ: تِلْكَ آيَاتُ اللهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللهِ وَآيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ وَالْحَدِيثُ فِي الْجَمِيعِ كَلَامُ اللهِ الَّذِي هُوَ الْقُرْآنُ ، يَدُلُّ عَلَيْهِ هُنَا قَوْلُهُ تَعَالَى فِي رَسُولِهِ: إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ (7: 184) وَفِي آيَةِ الْمُرْسَلَاتِ الْقَرِينَةُ فِي تَهْدِيدِ الْمُكَذِّبِينَ لَهُ ، وَفِي آيَةِ الْجَاثِيَةِ افْتِتَاحُ السُّورَةِ بِذِكْرِ الْكِتَابِ ، فَيَكُونُ مَعْنَاهَا: فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ كِتَابِ