وَفَسَّرَ بَعْضُ الْمُتَقَدِّمِينَ الِاسْتِدْرَاجَ بِمَعْنَاهُ الْعَامِّ فِي اللُّغَةِ ، كَاغْتِرَارِ الْعُصَاةِ بِالنِّعَمِ الَّتِي تُنْسِيهِمُ التَّوْبَةَ ، وَتُلْهِيهِمْ عَنْ شُكْرِ النِّعَمِ ، وَاقْتِصَارِهِمْ عَلَيْهِ غَفْلَةً عَنْ سَبَبِ النُّزُولِ ، وَمَنْ أُنْزِلَ فِيهِمْ فَهُوَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى فِي سُورَةِ الْقَلَمِ: فَذَرْنِي وَمَنْ يُكَذِّبُ بِهَذَا الْحَدِيثِ سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ (68: 44) وَقَفَّى عَلَيْهَا بِمِثْلِ مَا هُنَا - وَالسُّورَتَانِ مَكِّيَّتَانِ - وَهُوَ قَوْلُهُ تَعَالَى: وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ الْإِمْلَاءُ: الْإِمْدَادُ فِي الزَّمَنِ وَالْإِمْهَالُ وَالتَّأْخِيرُ ، مُشْتَقٌّ مِنَ الْمَلْوَةِ وَالْمُلَاوَةِ ، وَهِيَ الطَّائِفَةُ الطَّوِيلَةُ مِنَ الزَّمَنِ ، وَالْمَلَوَانِ: اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ . قَالَ الرَّاغِبُ: وَحَقِيقَتُهُ تَكَرُّرُهُمَا وَامْتِدَادُهُمَا ، يُقَالُ: أَمْلَى لَهُ إِذَا أَمْهَلَهُ طَوِيلًا ، وَأَمْلَى لِلْبَعِيرِ إِذَا أَرْخَى لَهُ الزِّمَامَ ، وَوَسَّعَ لَهُ فِي الْقَيْدِ; لِيَتَّسِعَ لَهُ الْمَرْعَى . وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا (19: 46) أَيْ زَمَنًا طَوِيلًا وَالْمَلَا بِالْقَصْرِ الْمَفَازَةُ الْوَاسِعَةُ الْمُمْتَدَّةُ ، وَأَمَّا الْإِمْلَاءُ لِلْكَاتِبِ بِمَعْنَى تَلْقِينِهِ مَا يَكْتُبُ فَأَصْلُهُ أَمْلَلَ ، فَهُوَ لَيْسَ مِنْ هَذِهِ الْمَادَّةِ .