مُتْ بِداءِ الصَّمْتِ خَيْرٌ ... لَكَ مِنْ داءِ الكلامِ
إِنَّما السَّالِمُ مَنْ أَلْـ ... ـجَمَ فاهُ بِلِجامِ
وَالْمَنايا آكِلاتٌ ... شارِباتٌ لِلأَنامِ
شبه اللسان بالدابة السريعة التي تحتاج إلى اللجام والفدام.
145 -ومنها: التشبه في إطلاق اللسان في كل زمان ومكان
بالعقرب؛ فإنها تضرب ما وجدت حتى الحجر والمدر.
ومن أحسن ما قيل في ذلك: من المتقارب
رَأَيْتُ عَلى صَخْرَة عَقْربا ... وَقَدْ جَعَلَتْ ضَرْبَها دَيْدَنا
فَقُلْتُ لَها إِنَّها صَخْرَةٌ ... وَطَبْعُكِ مِنْ طَبْعِها أَلْيَنا
فَقالَتْ صَدَقْتَ وَلَكِنَّنِي ... ارِيْدُ أُعَرَّفُها مَنْ أَنا
وهذا الشاعر أراد وصف العقرب بالأذى في كل وقت وبالجهل؛ فإن جهلها أدى إلى مداومة ضرب الصخرة وهي لا تتأثر من ضربها، وهذا أشبه شيء بحال الطَّغَّان على الأئمة، وهو مقصر عن بلوغ شأوهم في الفضل والعلم، أو على الأكابر والأشراف والأكارم، وهو من الأراذل الذي لا يعتنى بمدحه، ولا يلتفت إلى ذمه.
ونظير ذلك الكلاب تنبح السحاب.
وفي المثل: لا يضر السحاب نبيح الكلاب.
ومن كلام بعض الأدباء في زجل له:
إِنْ عَوى عَلى القَمَرِ الكَلْبُ يخس مِنْ بَعِيد
وقال الفرزدق: من الطويل
وَقَدْ يَنْبَحُ الكَلْبُ السَّحابَ وَدُونهَا ... مَهامِهُ تُعشي نَظْرَةَ الْمُتَأَمَّلِ
وقال الكميت: من البسيط
فَإِنَّكمْ وَنزارًا فِي عَداوَتنا ... كَالْكَلْبِ هرَّ مدى وَطفاء مِدْرارُ
وفي رواية في المثل: هل يضر السحاب نباح الكلاب؟ ذكره الزمخشري.
وأنشد مع الكلام للفرزدق: من الطويل
وَما لِي لا أَغْزُو وَلِلدَّهْرِ كَرَّةٌ ... وَقَدْ نَبَحَتْ نحوَ السَّحابِ كِلابُها
146 -ومنها: التشبه بالكلب العقور في العقر والجراحة.
وقد سبق قول الراهب: أنا لست براهب، إنما أنا حابس كلب عقور؛ يعني: نفسه.
والكلب العقور من الفواسق التي تُقتل في الحِلِّ والحرم.
وقد سميت فواسق وأمر بقتلها وهي لا تعقل، فكيف بمن يتشبه بها من المكلفين؟
وفي كتاب الله تعالى: {وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ} [سورة المائدة: 45] .