قوله {والذين هم بآياتنا يؤمنون} فإنه يشمل كل ما يجب على الإنسان علماً وعملاً. ثم ضم إلى ذلك اتباع النبي الأمي إلى آخره. وصف محمداً صلى الله عليه وسلم في هذه الآية بصفات تسع: الأولى الرسالة.
الثانية النبوة. فإن قيل: النبوة مندرجة تحت الرسالة فلم أفردها بالذكر؟ قلت: لا بل بينهما عموم وخصوص من وجه فقد يكون رسولاً ولا يكون نبياً كقوله {جاعل الملائكة رسلاً} [فاطر: 1] وقد يكون نبياً لا رسولاً ككثير من الأنبياء ، فلا يكون أحد الوصفين على الإطلاق مغنياً عن الآخر. ولو سلم فذكر الآخر تتميم وتصريح بما علم ضمناً. الثالثة. كونه أمياً. قال الزجاج: معناه أنه على صفة أمة العرب. قال صلى الله عليه وآله:"إنا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب"وقيل: إنه منسوب إلى الأم أي إنه على هيئته يوم ولد لم يكتسب خطأ ودراسة. وكان هذا من جملة معجزاب نبينا صلى الله عليه وسلم وبيانه من وجوه: الأول أنه كان يقرأ عليهم كتاب الله منظوماً مرة بعد أخرى من غير تبديل. والخطيب من العرب إذا ارتجل خطبة ثم أعادها فإنه لا بد أن يزيد فيها وينقص ، فهذا المعنى من مدد سماوي كقوله {سنقرئك فلا تنسى} [الأعلى: 6] الثاني لو كان يحسن الخط والقراءة لصار متهماً بأنه طالع كتب الأوّلين ، ولما أتى بهذا القرآن العظيم المشتمل على جلائل العلوم من غير تعلم ومطالعة عرف أنه من السماء وإليه الإشارة بقوله {وما كنت تتلوا من قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك إذا لارتاب المبطلون} [العنكبوت: 48] الثالث: أن تعلم الخط لا يتفقر إلا إلى فطنة قليلة ومع ذلك كان الخط مشكلاً عليه. ثم إن الله تعالى آتاه علوم الأوّلين والآخرين وما لم يصل إليه أحد من العالمين ، فالجمع بين هاتين الحالتين من الأمور الخارقة للعادة كالجمع بين الضدين. الصفة الرابعة {الذي يجدونه مكتوباً عندهم في التوراة والإنجيل} الضمير في يجدون للذين يتبعونه من بني إسرائيل. ثم إن كان المراد أسلافهم فالوجه أن يراد بالاتباع اعتقاد نبوته من حيث وجدوا نعته في التوراة إذ لا يمكن أن يتبعوه في شرائعه قبل بعثه إلى الخلق ، ويكون المراد من قوله {والإنجيل} أنهم يجدون نعته