التعليم، سريع الإدراك، يزيد على الدرة إذا انتُحبَ وإذا تكلم جاء بالحروف مبينة حتى لا يشك سامعه أنه إنسان، انتهى.
واعلم أن محاكاة الإنسان للطير وغيره من الحيوانات من قبيل العبث الذي لا يليق بالعقلاء الاشتغال به.
وأما محاكاة الناس في الأقوال والأفعال وتقليدهم في أمورهم على سبيل الاستهزاء ليعجب السامعين وإضحاكهم؛ فإنه من الغيبة المحرمة لإيذائه.
وروى أبو داود، والترمذي وصححه، عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: حكيت إنساناً، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم:"مَا يَسُرُّنيْ أَنِّيْ حَكَيْتُ إِنْسَانًا وَلي كَذَا وَكَذَا".
يقال: حكيت، وحكيت فعله، وحاكيت: إذا فعلت مثل فعله.
وأكثر ما تستعمل المحاكاة في القبح كما في"النهاية".
123 -ومنها: التشبه بالثعلب والخنزير في الرَّوغان، وعدم الاستقامة؛ فإن لهما روغاناً يُضرب به المثل.
قال السيوطي: والخنزير أروغ من الثعلب.
روى الإِمام أحمد في"الزهد"، وعبد بن حميد، والدينوري عن عمر رضي الله تعالى عنه: أنه قال على المنبر: {إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا} [سورة فصلت: 30] قال: لم يروغوا روغان الثعلب.
وأنشد ابن قتيبة: من الكامل
خَيْرُ الصَّدِيقِ هُوَ الصَّدُوقُ مَقالَةً ... وَكَذاكَ شَرُّهُمُ الْمَنُونُ الأكذَبُ
وإذا غَدَوْتَ لَهُ تُرِيدُ نِجازَهُ ... بِالوَعْدِ راغ كَما يَرُوغُ الثَّعْلَبُ
وأنشد الدميري في"حياة الحيوان"من قصيدة يقال: إنها لعلي ابن أبي طالب رضي الله تعالى عنه، ولا يصح: من الكامل
لا خَيْرَ فِي وِدِّ امْرِئٍ مُتَمَلِّقٍ ... حُلْوِ اللِّسانِ وَقَلْبُهُ يَتَلَهَّبُ
يَلْقاكَ يَحْلِفُ أَنَّهُ لَكَ وامِقٌ ... اِذا تَوَلَّى عَنْكَ فَهْوَ العَقْرَبُ
يُعْطِيكَ مِنْ طَرَفِ اللسانِ حَلاوَةً ... وَيرُوغُ عَنْكَ كَما يَرُوغُ الثَّعْلَبُ
وقال آخر: من السريع
كُلُّ خَلِيلٍ كُنْتُ خالَلْتُهُ ... لا تَرَكَ اللهُ لَهُمْ واضِحَةْ
كُلُّهُمُ أَرْوَغُ مِنْ ثَعْلَبٍ ... ما أَشْبَهَ الليلَةَ بِالبارِحَةْ
124 -ومنها - وهو قريب مما قبله: تشبه المتردد بين الحق والباطل بالشاة العاشرة بين الغنمين.