إذن لكل وسيلة إدراك ، وهي من المحسَات ، وبعد أن تتكون المحسَات يمتلك الإنسان خميرة علمية في قلبه وتنضج لتصير قضية عقلية منتهية ومسلماً بها .
وكلنا يعرف أن النار محرقة ؛ لأن الإنسان أول ما يلمس النار تلسعه ، فيعرف أن النار محرقة ، ويتحول الإدراك إلى إحساس ثم إلى معنى . إذن فالمعلومات وسائلها إلى النفس الإنسانية وملكاتها الحواس الظاهرة ، وهناك حواس أخرى غير ظاهرة مثل قياس وزن الأشياء بالحمل . وقد انتبه العلماء لذلك واكتشفوا حاسة اسمها حاسة العضل ؛ لأنك حين تحمل شيئاً قد تجهد العضلة أكثر إن كان الحمل ثقيلاً .
وحينما ترى واحداً من قريب وواحداً من بعيد ، فهذه اسمها حاسة البعد ، وكذلك حاسة البين وهي التي تميز بها سمُك القماش مثلاً .
كل الحواس - إذن - تربي المعاني عند الإنسان وحين تربي المعاني في النفس الإنسانية تتكون القضايا التي تستقر في القلب .
ولذلك يمتن الحق سبحانه وتعالى على خلقه بأنه علمهم فقال تعالى: {والله أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئاً وَجَعَلَ لَكُمُ السمع والأبصار والأفئدة لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [النحل: 78]
ونعود إلى قول الحق تبارك وتعالى: {لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا}
والفقه هو الفهم ويصير الفهم قضية مرجحة انتهى إليها الاقتناع من المرائي والمحسّات ، لكنّ هؤلاء الكافرين لا يرون بأعينهم إلى هواهم ، وكذلك لا تسمع آذانهم إلا ما يروق لهم ، فلا يستمعون إلى الهدى ، ولا يلتفتون إلى الآيات التي يستدلون بها على الخالق فتعيش قلوبهم بلا فقه ، فهم إذن لهم قلوب وأعين وآذان بدليل أنهم فقهوا بها وسمعوا بها ورأوا بها الأشياء التي تروق لانحرافهم .
ويصف الحق تبارك وتعالى هؤلاء فيقول: {أولئك كالأنعام بَلْ هُمْ أَضَلُّ أولئك هُمُ الغافلون}