وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا) دل هذا أن الحرمة في تلك الآية الأكل والتناول منها؛ وكذلك قوله: (الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ) : ذكر الحل، ولم يذكر الحكم، لماذا؟ ثم جاء التفسير في هذه الآية أنه للأكل، ثم الميتة التي ذكر أنها محرمة ليست هي التي ماتت حتف أنفها خاصة.
ألا ترى أنه ذكر: (وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ) ، (وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ) .
وقال: (وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ) ، كل هذا الذي ذكر لم يمت حتف أنفه، ولكن بأسباب لم يؤمر بها؛ فصارت ميتة؛ فدل أن كل مذبوح أو مقتول بسبب لم يؤمر به فهو ميتة، لا يحل التناول منها إلا في حال الاضطرار.
وفي قوله: (أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا) .
دلالة أن المحرم من الدم هو المسفوح، والدم الذي يكون في اللحم ويخالط اللحم ليس بحرام، والدم المسفوحُ حرامٌ.
قال أَبُو عَوْسَجَةَ: المسفوح المصبوب؛ تقول: سفحت: صببت.
وقَالَ الْقُتَبِيُّ: مسفوحًا، أي: سائلا.
وقال ابن عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: المسفوح: هو الذي يهراق.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (لَحْمَ خِنْزِيرٍ) .
ذكر اللحم وذكر حرمة الميتة؛ ليعلم أن الخنزير بجوهره حرام، والميتة حرمتها لا بجوهرها، لكن لما اعترض؛ لذلك قلنا: إنه لا بأس بالانتفاع بصوف الميتة ووبرها وعظمها، ولا يجوز من الخنزير شيء ، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ) .
قيل: غير باغ: يستحله في دينه، ولا عاد، أي: ولا متعد بألم يضطر إليه فأكله. وقد ذكرنا أقاويلهم والاختلاف في تأويله في صدر الكتاب.