فمتى يتجول العقل البشري في هذا المعرض الإلهي المملوء بالآيات والعجائب، فله هنا عمل، وله في هذا الميدان مجال: {وَفِي خَلْقِكُمْ وَمَا يَبُثُّ مِنْ دَابَّةٍ آيَاتٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (4) وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ رِزْقٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ آيَاتٌ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (5) } [الجاثية: 4، 5] .
ولما كانت الرياح مختلفة في مهابها وطبائعها، جعل الله لكل ريح ريحاً مقابلة لها، تكسر سورتها وحدتها، وتبقي لينها ورحمتها، فرياح الرحمة متعددة
لاختلاف منافعها.
وأما ريح العذاب، فإنها ريح واحدة ترسل من وجه واحد لإهلاك ما ترسل بإهلاكه، فلا تقوم لها ريح أخرى تقابلها.
بل تكون كالجيش العظيم الذي لا يقاومه شيء، فيدمر كل شيء كما قال سبحانه: {وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ (6) سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ (7) فَهَلْ تَرَى لَهُمْ مِنْ بَاقِيَةٍ (8) } [الحاقة: 6 - 8] .
13 -خلق النار
قال الله تعالى: {أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ (71) أَأَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِئُونَ (72) نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً وَمَتَاعًا لِلْمُقْوِينَ (73) } [الواقعة: 71 - 73] .
وقال الله تعالى: {الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَارًا فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ (80) } [يس: 80] .
الله تبارك وتعالى هو الواحد القهار، خلق المخلوقات وقهر بعضها ببعض، وسلط بعضها على بعض.
خلق سبحانه الجبال، وسلط عليها الحديد، فهو يقطعها ويكسرها.
وخلق النار، وسلطها على الحديد، فهي تذيبه بأمر الله.
وخلق الماء، وسلطه على النار، فهو يطفئها بأمر الله.
وخلق الرياح وسلطها على الماء، فهي تقهر الماء بأمر الله وتفرقه.
وخلق الظلمات وسلط عليها النور فهو يبددها.