فتارة تهب من الشمال، وتارة من الجنوب، وتارة صبا، وتارة دبوراً.
وقد جعل الله مهب الشمال أرفع من مهب الجنوب، ولولا ذلك لبقي الماء واقفاً.
وهذه الرياح مع غاية قوتها ألطف شيء، وأقبل المخلوقات لكل كيفية، سريعة التأثر والتأثير، لطيفة المسار بين السماء والأرض.
ولشدة حاجة كل نبات وحيوان وإنسان إليها، يسرها الله في كل مكان، وصرفها وحده بين عباده، ورفع تحكم البشر فيها، فحيثما سار الإنسان أو الحيوان وجدها، وحيثما وجد نبات فهي مرافقة له.
ولو قطعت عن النبات والحيوان لهلك، كبحر الماء الذي لو فارقه السمك هلك.
يحبسها الله إذا شاء، ويرسلها إذا شاء، تحمل الأصوات إلى الأذن بأمر الله، وتحمل الرائحة إلى الأنف، وتحمل السحاب إلى الأرض الجرز.
وهي خلق عظيم من أقوى خلق الله، وهي من أعظم آيات الله الدالة على قدرته.
فسبحان من أنشأ الرياح بقدرته، وملأ بها الكون، وصرفها بحكمته، وسيرها بمشيئته، وسخرها بإرادته، وأرسلها بشرىً بين يدي رحمته، وجعلها سبباً لتمام نعمته، وسلطاناً على من شاء بعقوبته.
فهل عرف الله، وعرف قدرته وعظمته، من بارزه بالمعاصي، وبدل نعمه كفراً؟.
ألا ما أعظم الجهل بالله وأسمائه وصفاته، وما أعظم الغفلة عن آلائه وإحسانه؟: {فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَآيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ (6) } [الجاثية: 6] .
إن في خلق الرياح آية .. وفي هبوب الرياح آية .. وفي تصريف الرياح آية. فالرياح الساخنة هي المثيرة للبخار، والرياح الباردة هي المكثفة له حتى يصير سحاباً، ثم يسوق الله هذا السحاب بواسطة الرياح، ويصرفه كيف شاء بعلمه وحكمته، بين البلاد والعباد
والله تبارك وتعالى بيده هذا الملك العظيم، وله الخلق والأمر وحده لا شريك له، يصرف الرياح ليلاً ونهاراً، ويجعلها كما يشاء دافئة وباردة، ومنحرفة ومستقيمة، وعاصفة وهادئة، وعذاباً ورحمة.
ولهذه الرياح كلها أوامر من ربها لا تتعداها، ولها علاقة بالكائنات الأخرى، تتعاون معها في تحقيق مشيئة الله في خلق هذا الكون، وتصريفه كما أراد.