والإخلاص والنية، ثم ينبسط معلوم ذلك ووصفه على ظاهره، فوجهة الجسم إلى
الكعبة البيت الحرام، ووجهة القلب بالإيمان والإخلاص لله جلَّ ذكره، وفطرة
السماوات والأرض قد تقدم ذكرها.
(حَنِيفًا) معناه هنا الاستقامة، تقول العرب للرِّجل التي عوجها إلى الرِّجل
الأخرى: حنفاء، والحنف: الميل، ولما أن كان ميلها إلى جهة الأخرى كان ذلك
ميلاً إلى استقامة الخلقة؛ لذلك سمّى الله تعالى إبراهيم - عليه السلام -: حنيفًا، لأنه تحنف؛
أي: مال عن سائر الأديان إلى الدين القيم دين الإسلام، بل لأنه استقام عليه من
لدن فطرته الأولى، لا لأنه مال عن سواه إليه.
ويزيد هذا عليك بأن الأصل هو الإسلام المفطور عليه الخليقة، وأن الممدوح
هو من استقام على منهاجه، واستن سنته لا من مال عنه، ولا يقال لمن تمسك
بالعروة الوثقى: مال إليه عن سواه، إنما يقال في مذموم ذلك: مال عن الإسلام إلى
سواه، كما يقال: كفر وضل وكذب، هذه عبارات عُبر بها عمن ضل عن هدايته
وغطى ظاهرها، وكذب فطرته وجحد خلقته، فما ذكره أهل اللغة غير صحيح
التأويل، ولا مصب المنتزع منه، وما أرى ذلك إلا من الأسماء العرفية التي تممها
الشرع على ما تقدم ذكره أو ما نحا نحوه، فالحنيف إذًا الذي أمال هواه وحسده
وكبره، وشرته كلها إلى إيمانه وإسلامه، فأتى الله بقلب سليم.
وبعبارة أخرى: فالحنيف إذًا هو من سلك في اعتباره مسالك الحق المخلوق
به السماوات والأرض، فوقف بذلك على الصراط المستقيم وعرف المعبودات،
ولأي معنى عُبدت، واطلع في ذلك على مَن حيث ضل به الضالون، وتنطع من
أجله المتنطعون في اتباع أباطيلها، وأيقن بحقيقة اليقين، وصحيح العلم المقصود
الحق ما هو، والمطلوب العلي الأعلى من هو، فعرف البون ما بين الهداية والضلالة
والحق والباطل، فعبد المعبود الحق الذي لا إله إلا هو رب الأرباب ومبين الحق،
وكان ميله تحنفًا وعبادة، وإله الآلهة بوجهة خالصة ونية صادقة دون ما سواه، فكان
ذلك تحنفًا منه لمعبوده الحق الذي هو محق الحق ومبين الحق، وكان ميله تحنفًا