وأما الملائكة الذين لم يجز عليهم خطيئة الذين هم من قبيل النور وقبيل النار
-على جميعهم السلام - فلم يكن من بعدهم من طريق النسل، بل كانوا مما خلق
عن النور كالكلام الطيب: التسيبح والتحميد والتهليل والتكبير والتمجيد ونحو هذا،
فما كان من هذا فهو للصلاة والذكر والتسبيح، ونحو هذا من العبادات.
ومنهم: المخلوقون من الماء؛ إذ هو أيضًا من قبيل النور، فما كان منهم
مخلوقًا من هذا القبيل، فهم الفعلة والقومة، والمنشرون للذكر والعبادة على ما
وكلوا به إلى النبات والجماد والتراب، على ما تقدم ذكره من جاذب وماسك ودافع
وناشط ومقسم ومصور ومغذٍ؛ وناشر ومنْشيء ، مع التسبييح والتحميد ونحو هذا، فما
كان من هذا فهو للصلاة الفعلة والمفعول معًا (وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ) .
وهذه المذكورات من جاذب وممسك وغيرهم من الفعلة سمتها الأوائل:
القوى، وجدوا ذلك وجدًا بالنظر، ولم يكن لهم نور نبوة يستضيئون به، فإن كان
أرادوا بقولهم قوى الملائكة، وكان ذلك معهودًا عندهم في لسانهم وعرفهم،
يعبرون بقوى عن ملائكة فهو الصواب إن شاء الله تعالى، وإن كانوا أرادوا ظاهر ما
ذهب إليه أتباعهم، فهو الخطأ الصرف، وهم يقرون أن تلك القوى موات ولا
يصفونها بحياة، وقد تقدمت إشارة إلى إبطال ذلك.
وكذلك تقدم في شرحه اسمه"الحنان"جلَّ ذكره تفسير قولهم: ما هو الحِن
والبِن، وأن أصل ذلك في جبلة العالم من ممتزج نفَسي جهنم - أعاذنا الله الرحيم
برحمته منها - رحمته بالماء، فكان لذلك معنى معهودًا في موجودات الجماد
والنبات والحيوان، فلما أهبط الله - جلَّ جلالُه - آدم - صلوات الله وسلامه عليه - وزوَّجه إلى
الأرض حنَّ إليه من ذلك ما حنَّ، وبانَ عنه ما بانَ، فهو الجن الممتزج بعضه في
أصل الخلقة.
ومنه الذي يجري من ابن آدم مجرى الدم، ومن النبات والجماد في الغذاء
ومواد الخلقة، ثم يتسع النظر وينخرق انخراقًا عظيمًا، ولاتساعه يعتاص على الفهم
أن يضمه إلى زمام العقل، وإن كان قضاء الإيمان ينبسط عليه، والحمد لله رب
العالمين.