وقوله: (وَكَذَلِكَ) له وجهان:
أحدهما: أنه كما أريناك ما أيقنت به أن الربوبية لله، وأنه الواحد لا شريك له من الآيات والأدلة، أريناه - أيضًا - ما ذكر حتى أيقن، فهو - واللَّه أعلم - على التسوية بين الأسباب الدالة على الوحدانية لله والربوبية في المعنى، وإن كانت لأعيانها مختلفة، وعلى أن طريق المعرفة الاستدلال بما أنشأ اللَّه من الدلالة لا السمع والحس، وإن كان في حجة السمع تأكيد.
والثاني: أن يكون (وَكَذَلِكَ نُرِي) على ما أظهر من الحجج على قومه؛ وهو كقوله: (وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ) ، وأعطاه ما أراه وأشعر قلبه من الحجج التي ألزم قومه بها أنطق بها اللَّه - عَزَّ وَجَلَّ - لسانه ليلزم حججه خلقه، والله الموفق.
(مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) : الملك في الحقيقة من الوجه الذي يكون آية للإيقان ودليلا للإحاطة بالحق.
ثم اختلف في وجه ذلك:
فمنهم من قال: هو ما أرى بصره، أعني: بصر الوجه؛ نحو الذي ذكر من فتح السماء حتى رأى ما فيها من العجائب والآيات إلى العرش، أو حيث قد زوى الأرض حتى رأى ما فيها من أنواع الخلق إلى الثرى، أو حيث بلغ.
ومنهم من قال: رفع إلى السماء حتى كانت الأرض بمن فيها له رأي العين، وكان له - صلوات اللَّه عليه مثل هذا من الأمور؛ نحو: أمر النار بالهجرة إلى حيث لا ضرع ولا زرع، وما جعل رزقه في أصابعه، وأمر بلوغ صوته في قوله - تعالى -: (وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ) ، أن كان على ما سمع منه، واللَّه أعلم.
ومنهم من قال: هو ما أرى بصر قلبه من وجوه العبر وأنواع الأدلة عند التأمل في خلق اللَّه بالفكر من غير أن كان في الخلق تغير على الأحوال التي كانت عليه، وهو أحق من يكون له في الذي كان كفاية عن حدوث أحوال تدل إذ هي حجج اللَّه يستدل على قومه، من الوجه الذي جعل لجميع الخلق، لا من جهة خصوص آيات؛ فثبت أن ذلك كان له بهذا الوجه.