و (نُرِي) بمعنى: أرينا وذلك جائز في اللغة، و"كذلك"لا تذكر إلا على تقدم شيء ، لكن الوجه فيه ما ذكرنا كما أريناك من السماوات والأرض من الآيات والحجج والبراهين؛ كذلك كنا أرينا إبراهيم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) .
اختلف فيه:
قَالَ بَعْضُهُمْ: سلطان السماوات والأرض.
وقيل: الشمس والقمر والكواكب.
وقيل: فرجت له السماوات السبع، حتى نظر إلى ما تحت العرش وما فيهن؛ وكذلك فرجت له الأرضون حتى رأى ما فيهن.
وقيل: (مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) : خبئ إبراهيم - عليه السلام - من الجبابرة في سرب، فجعل اللَّه في أصابعه رزقًا، فإذا مص إصبعا من أصابعه وجد فيها رزقًا، فلما خرج أراه اللَّه الشمس والقمر، فكان ذلك ملكوت السماوات، وملكوت الأرض: الجبال والبحار والأشجار.
وقيل: نظر إلى ملك اللَّه فيها حتى نظر إلى مكانه ورأى الجنة، وفتحت له الأرضون حتى نظر إلى أسفل الأرضين، فذلك قوله: (وَآتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيَا) ،
قال: أري مكانه في الجنة.
وقيل: أجره الثناء الحسن.
وقال أَبُو عَوْسَجَةَ: (مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) من الملك؛ وكذلك قال أبو عبيدة، وهو كجبروت ورحموت ورهبوت؛ فكذلك ملكوت.
وأصله: ما ذكر من الآيات والعجائب، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ) .
الإيقان بالشيء هو العلم بالشيء حقيقة بعد الاستدلال والنظر فيه والتدبر؛ ولذلك لا يوصف اللَّه باليقين، ولا يجوز لله - تعالى - أن يقال: موقن؛ لما ذكرنا أنه هو العلم الذي يعقب الاستدلال، وذلك منفي عنه.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ(75) .
قيل في قوله: (وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ) أي: كما أريناك ملكوت ما ذكر، فقوله: (نُرِي) بمعنى أرينا.