ثمّ أَمر الله تعالى ملائكة السّماء الثَّالثة ، أَن اهبطوا على مُوسى واعترضوا عليه فَهَبطُوا أَمثال
النُّسورِ لهم قَصْف ورجْفٌ ولَجبٌ شَدِيدٌ ، وأَفواههم تتابُع التسبيح والتقديس كلَجَبِ الجيْش العظيم ، أَلوانهم كلَهَب النَّار ، ففزع موسى واشتدَّ نَفَسُه وأَيِس من الحياة ، فقال له خير الملائكة: مكانَك يا ابْنَ عِمْرانَ حتى ترى ما لا تَصْبِرُ عليه.
ثمّ أَمر الله تعالى ملائكة السّماء الرّابعة أَن اهْبِطوا على موسى فاعْتَرِضوا عليه ، فهبطوا وكان لا يشبههم شيء من الذين مرّوا به قبلهم ، أَلوانهم كلهب النار وسائر خلقهم كالثَلْجِ الأَبيض ، أَصواتُهم عالية بالتسبيح والتَّقْديس ، لا يُقاربهم شيء من أَصوات الَّذين مرُّوا به قبلهم ، فاصطكت رُكْبتاه وأُرْعِد قلبُه ، واشتدّ بُكاؤه ، فقال له خير الملائكة ورأسهم: يا بْنَ عِمْران اصبر لما سأَلت ، فقليل من كثير ما رأَيت.
ثمّ أَمر الله تعالى ملائكة السّماءِ الخامسة أَنِ اهبطوا فاعترِضوا على موسى ، فهَبطوا عليه لهم سبعةُ أَلوان فلم يستطع موسى أَن يُتْبِعهم بصره ، لم ير مثلَهم ولم يسمع مثل أَصواتهم ، فامتلأَ جوفُه خوفا ، واشتدّ حزنه وكثر بكاؤه ، فقال له خير الملائكة ورأسهم: يا بن عِمْران اصبر حتى تَرى بعض مالا تصبر عليه ، فهبطوا عليه فِي يد كلّ ملَكٍ منهم مثل النَّخلة الطَّويلة ناراً أَشدّ ضوءًا من الشمس ولِباسُهم كلَهَبِ النار ، إِذا سبحوا وقَدّسوا جاوبهم من مكان قبلهم من ملائكة السّماوات كلّهم يقولون بشدّة أَصواتهم سبّوح قُدُّوسٌ ربُّ الملائكة والرُّوح ، ربُّ العِزَّة أَبداً لا يمُوت ، فِي رأس كلّ ملَكٍ منهم أَربعةُ أَوْجُه.