وسبحانه لا يشاء إلا عن حكمة ، ولا يشاء إلا عن علم ؛ لأنه إن أطلقنا المشيئة لواحد من البشر فقد يفعل الفعل بدون حكمة وبدون علم ، أما الحق فينبئنا بأن مشيئته هي عن حكمة وعلم لصالح الخلق ؛ لأن مشيئته مبنية لا على هوى ، ولا على نفع من أحد ، فالله سبحانه له كل صفات الكمال والجلال والجمال قبل أن يخلق الخلق .
إن خَلْق الخلق وإيمانهم لا يزيد في ملك الله ، وإن عصوا لا ينقص من ملك الله شيء ، ولكن الحكمة قد تفوت عن بعض الخلق فلا يهتدون إليها ، وسبحانه حين يجري أمراً على خلقه ثم يقبلونه وإن لم يعلموا علته يريهم جل وعلا الحكمة في الفعل الذي كان غير مقبول لهم ؛ لأنه سبحانه خلق الخلق ويعلم أزلاً أن للخلق أهواء ومرادات ، ولو أعطى كل مخلوق مراده لأعطاء على حساب غيره ، والحق سبحانه عادل فلا ينفع واحداً ويتعب الآخر .
والحق بحكمته يعلم ما يصلح أمر خلقه ، فلا يستجيب لدعوة حمقاء من عبد ، فبسحانه يعلم أنه ليس في صالح العبد أن يلبي له هذا الطلب . ولذلك يقول الحق: {وَيَدْعُ الإنسان بالشر دُعَآءَهُ بالخير وَكَانَ الإنسان عَجُولاً} [الإسراء: 11] .
إن العبد يقول: يا رب اصنع لي كذا ، يسّر لي هذا الأمر ، وهو خير في عرفه ، وقد يكون هو الشر ؛ لأن الإنسان عجول . لذلك يقول سبحانه: {سَأُوْرِيكُمْ آيَاتِي فَلاَ تَسْتَعْجِلُونِ} [الأنبياء: 37] .
إن الحق جل وعلا يضبط مرادات الخلق ؛ فالصالح يجريه عليهم .