وَكَذَلِكَ"قُدْرَةُ الْعَبْدِ"فَإِنَّهُ لَوْ فَرَّطَ بَعْدَ وُجُوبِ الْحَجِّ عَلَيْهِ حَتَّى ضَيَّعَ مَالَهُ بَقِيَ الْحَجُّ فِي ذِمَّتِهِ وَكَذَلِكَ فِي اسْتِحْلَالِ الْمُحَرَّمَاتِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: { فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إثْمَ عَلَيْهِ } . فَالضَّرُورَةُ بِسَبَبِ مَحْظُورٍ لَا تُسْتَبَاحُ بِهَا الْمُحَرَّمَاتُ ؛ بِخِلَافِ الضَّرُورَةِ الَّتِي هِيَ بِسَبَبِ غَيْرِ مَحْظُورٍ . وَقَدْ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي الْعَاصِي بِسَفَرِهِ هَلْ يَتَرَخَّصُ تَرَخُّصَ الْمُسَافِرِ ؟ وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَد أَنَّهُ لَا يَتَرَخَّصُ . فَالْأَحْوَالُ الَّتِي تَرِدُ عَلَى الْعِبَادِ وَأَهْلِ الْمَعْرِفَةِ وَالزُّهَّادِ وَنَحْوِهِمْ مِمَّا تُوجِبُ زَوَالَ عَقْلِ أَحَدِهِمْ وَعِلْمِهِ حَتَّى تَجْعَلَهُ كَالْمَجْنُونِ وَالْمُولَهِ وَالسَّكْرَانِ وَالنَّائِمِ ، أَوْ زَوَالَ قُدْرَتِهِ حَتَّى تَجْعَلَهُ كَالْعَاجِزِ أَوْ تَجْعَلَهُ كَالْمُضْطَرِّ الَّذِي يَصْدُرُ عَنْهُ الْقَوْلُ وَالْفِعْلُ بِغَيْرِ إرَادَتِهِ وَاخْتِيَارِهِ فَإِنَّ زَوَالَ الْعَقْلِ وَالْقُدْرَةِ قَدْ يُوجِبُ عَجْزَهُ عَنْ أَدَاءِ وَاجِبَاتٍ وَقَدْ يُوجِبُ وُقُوعَهُ فِي مُحَرَّمَاتٍ . فَهَؤُلَاءِ يُقَالُ فِيهِمْ: إنْ كَانَ زَوَالُ ذَلِكَ بِسَبَبِ غَيْرِ مُحَرَّمٍ فَلَا حَرَجَ عَلَيْهِمْ فِيمَا يَتْرُكُونَهُ مِنْ الْوَاجِبَاتِ وَيَفْعَلُونَهُ مِنْ الْمُحَرَّمَاتِ وَلَا يَجُوزُ أَيْضًا اتِّبَاعُهُمْ فِيمَا هُوَ خَارِجٌ عَنْ الشَّرِيعَةِ مِنْ أَقْوَالِهِمْ وَأَفْعَالِهِمْ وَلَا نَذُمُّهُمْ عَلَى ذَلِكَ بَلْ قَدْ يُمْدَحُونَ عَلَى مَا وَافَقُوا فِيهِ الشَّرِيعَةَ مِنْ