سَأَلْت أَصْحَابَ مُحَمَّدٍ عَنْ هَذِهِ الْآيَةِ ؛ فَقَالُوا لِي: كُلُّ مَنْ عَصَى اللَّهَ فَهُوَ جَاهِلٌ ؛ وَكُلُّ مَنْ تَابَ قَبْلَ الْمَوْتِ فَقَدْ تَابَ مِنْ قَرِيبٍ . وَمِنْهُ قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ كَفَى بِخَشْيَةِ اللَّهِ عِلْمًا . وَكَفَى بِالِاغْتِرَارِ بِاَللَّهِ جَهْلًا . وَقِيلَ لِلشَّعْبِيِّ: أَيُّهَا الْعَالِمُ فَقَالَ: الْعَالِمُ مَنْ يَخْشَى اللَّهَ وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: { إنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ } . وَقَالَ أَبُو حَيَّانَ التيمي:"الْعُلَمَاءُ ثَلَاثَةٌ": عَالِمٌ بِاَللَّهِ ؛ وَبِأَمْرِ اللَّهِ ؛ وَعَالِمٌ بِاَللَّهِ لَيْسَ عَالِمًا بِأَمْرِ اللَّهِ وَعَالِمٌ بِأَمْرِ اللَّهِ لَيْسَ عَالِمًا بِاَللَّهِ . فَالْعَالِمُ بِاَللَّهِ الَّذِي يَخْشَاهُ . وَالْعَالِمُ بِأَمْرِ اللَّهِ الَّذِي يَعْلَمُ حُدُودَهُ وَفَرَائِضَهُ . وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: { إنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ } . وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ كُلَّ مَنْ خَشِيَ اللَّهَ فَهُوَ عَالِمٌ . وَهُوَ حَقٌّ وَلَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ كُلَّ عَالِمٍ يَخْشَاهُ ؛ لَكِنْ لَمَّا كَانَ الْعِلْمُ بِهِ مُوجِبًا لِلْخَشْيَةِ عِنْدَ عَدَمِ الْمُعَارِضِ كَانَ عَدَمُهُ دَلِيلًا عَلَى ضَعْفِ الْأَصْلِ إذْ لَوْ قَوِيَ لَدَفَعَ الْمُعَارِضَ . وَهَكَذَا لَفْظُ"الْعَقْلِ"يُرَادُ بِهِ الْغَرِيزَةُ الَّتِي بِهَا يُعْلَمُ وَيُرَادُ بِهَا أَنْوَاعٌ مِنْ الْعِلْمِ . وَيُرَادُ بِهِ الْعَمَلُ بِمُوجِبِ ذَلِكَ الْعِلْمِ وَكَذَلِكَ لَفْظُ"الْجَهْلِ"يُعَبَّرُ بِهِ عَنْ عَدَمِ الْعِلْمِ وَيُعَبَّرُ بِهِ عَنْ عَدَمِ الْعَمَلِ بِمُوجِبِ الْعِلْمِ كَمَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { إذَا كَانَ أَحَدُكُمْ صَائِمًا فَلَا يَرْفُثْ وَلَا يَجْهَلْ فَإِنْ امْرُؤٌ شَاتَمَهُ أَوْ قَاتَلَهُ فَلْيَقُلْ إنِّي امْرُؤٌ صَائِمٌ } وَالْجَهْلُ هُنَا هُوَ الْكَلَامُ الْبَاطِلُ بِمَنْزِلَةِ الْجَهْلِ الْمُرَكَّبِ . وَمِنْهُ قَوْلُ الشَّاعِرِ:
أَلَا لَا يَجْهَلَنْ أَحَدٌ عَلَيْنَا * * * فَنَجْهَلَ فَوْقَ جَهْلِ الْجَاهِلِينَا