بِالْعَقْلِ وَإِمَّا بِالْأَخْبَارِ الصَّادِقَةِ مَعْلُومَاتٍ كَثِيرَةً لَا تُعْلَمُ بِطُرُقِهِمْ الَّتِي ذَكَرُوهَا . وَمِنْ ذَلِكَ مَا عَلِمَهُ الْأَنْبِيَاءُ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ مِنْ الْعُلُومِ - أَرَادُوا إجْرَاءَ ذَلِكَ عَلَى قَانُونِهِمْ الْفَاسِدِ . فَقَالُوا: النَّبِيُّ لَهُ قُوَّةٌ أَقْوَى مِنْ قُوَّةِ غَيْرِهِ . وَهُوَ أَنْ يَكُونَ بِحَيْثُ يَنَالُ الْحَدَّ الْأَوْسَطَ مِنْ غَيْرِ تَعْلِيمِ مُعَلِّمٍ فَإِذَا تَصَوَّرَ أَدْرَكَ بِتِلْكَ الْقُوَّةِ الْحَدَّ الَّذِي قَدْ يَتَعَسَّرُ أَوْ يَتَعَذَّرُ عَلَى غَيْرِهِ إدْرَاكُهُ بِلَا تَعْلِيمٍ ؛ لِأَنَّ قُوَى الْأَنْفُسِ فِي الْإِدْرَاكِ غَيْرُ مَحْدُودَةٍ: فَجَعَلُوا مَا يُخْبِرُ بِهِ الْأَنْبِيَاءُ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ إنَّمَا هُوَ بِوَاسِطَةِ الْقِيَاسِ الْمَنْطِقِيِّ وَهَذَا فِي غَايَةِ الْفَسَادِ . فَإِنَّ الْقِيَاسَ الْمَنْطِقِيَّ إنَّمَا تُعْرَفُ بِهِ أُمُورٌ كُلِّيَّةٌ كَمَا تَقَدَّمَ وَهُمْ يُسَلِّمُونَ ذَلِكَ وَالرُّسُلُ أَخْبَرُوا بِأُمُورِ مُعَيَّنَةٍ شَخْصِيَّةٍ جُزْئِيَّةٍ مَاضِيَةٍ وَحَاضِرَةٍ وَمُسْتَقْبَلَةٍ فَعُلِمَ بِذَلِكَ أَنَّ مَا عَلِمَتْهُ الرُّسُلُ لَمْ يَكُنْ بِوَاسِطَةِ الْقِيَاسِ الْمَنْطِقِيِّ . بَلْ جَعَلَ ابْنُ سِينَا عِلْمَ الرَّبِّ بِمَفْعُولَاتِهِ فِي هَذَا الْبَابِ تَعَالَى اللَّهُ عَنْ قَوْلِهِ عُلُوًّا كَبِيرًا . وَقَدْ تَبَيَّنَ بِمَا تَقَرَّرَ فَسَادُ مَا ذَكَرُوهُ فِي الْمَنْطِقِ مِنْ حَصْرِ طَرِيقِ الْعِلْمِ: مَادَّةً وَصُورَةً وَتَبَيَّنَ أَنَّهُمْ أَخْرَجُوا مِنْ الْعُلُومِ الصَّادِقَةِ أَجَلَّ وَأَعْظَمَ وَأَكْثَرَ مِمَّا أَثْبَتُوهُ وَأَنَّ مَا ذَكَرُوهُ مِنْ الطَّرِيقِ إنَّمَا يُفِيدُ عُلُومًا قَلِيلَةً خَسِيسَةً لَا كَثِيرَةً وَلَا شَرِيفَةً . وَهَذِهِ مَرْتَبَةُ الْقَوْمِ ؛ فَإِنَّهُمْ مِنْ أَخَسِّ النَّاسِ عِلْمًا وَعَمَلًا . وَكُفَّارُ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى أَشْرَفُ عِلْمًا وَعَمَلًا مِنْهُمْ مِنْ وُجُوهٍ كَثِيرَةٍ . وَالْفَلْسَفَةُ كُلُّهَا لَا يَصِيرُ صَاحِبُهَا فِي دَرَجَةِ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى بَعْدَ النَّسْخِ وَالتَّبْدِيلِ