ثُمَّ"الْمُثْبِتَةُ لِلْقَدَرِ"يَحْتَجُّونَ بِقَوْلِهِ: { كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ } فَيُعَارِضُهُمْ قَوْلُهُ: { مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ } . و"نفاة الْقَدَرِ"يَحْتَجُّونَ بِهَذِهِ الثَّانِيَةِ مَعَ غَلَطِهِمْ فِي ذَلِكَ ؛ فَإِنَّ مَذْهَبَهُمْ: أَنَّ الْعَبْدَ يَخْلُقُ جَمِيعَ أَعْمَالِهِ وَيُعَارِضُهُمْ قَوْلُهُ: { كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ } . وَإِنَّمَا غَلِطَ كِلَا الْفَرِيقَيْنِ ؛ لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ ظَنِّهِمْ أَنَّ الْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ هِيَ الطَّاعَاتُ وَالْمَعَاصِي وَإِنَّمَا الْحَسَنَاتُ وَالسَّيِّئَاتُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ النِّعَمُ وَالْمَصَائِبُ كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى { وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ } وقَوْله تَعَالَى { فَإِذَا جَاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قَالُوا لَنَا هَذِهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ } وقَوْله تَعَالَى { إنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا } وقَوْله تَعَالَى { وَقِهِمُ السَّيِّئَاتِ } وَنَحْوِ ذَلِكَ . وَهَذَا كَثِيرٌ . وَهَذِهِ الْآيَةُ ذَمَّ اللَّهُ بِهَا الْمُنَافِقِينَ الَّذِينَ يَنْكُلُونَ عَمَّا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ مِنْ الْجِهَادِ وَغَيْرِهِ فَإِذَا نَالَهُمْ رِزْقٌ وَنَصْرٌ وَعَافِيَةٌ قَالُوا: { هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ } وَإِنْ نَالَهُمْ فَقْرٌ وَذُلٌّ وَمَرَضٌ قَالُوا: { هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ } - يَا مُحَمَّدُ - بِسَبَبِ الدِّينِ الَّذِي أَمَرْتَنَا بِهِ كَمَا قَالَ قَوْمُ فِرْعَوْنَ لِمُوسَى: وَذَكَرَ اللَّهُ ذَلِكَ عَنْهُمْ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: { فَإِذَا جَاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قَالُوا لَنَا هَذِهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ } وَكَمَا قَالَ الْكُفَّارُ لِرُسُلِ عِيسَى: { إنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ } . فَالْكُفَّارُ وَالْمُنَافِقُونَ إذَا أَصَابَتْهُمْ الْمَصَائِبُ بِذُنُوبِهِمْ تَطَيَّرُوا بِالْمُؤْمِنِينَ فَبَيَّنَ