فهرس الكتاب

الصفحة 43 من 16874

فَصْلٌ:

وَالْعَبْدُ كُلَّمَا كَانَ أَذَلَّ لِلَّهِ وَأَعْظَمَ افْتِقَارًا إلَيْهِ وَخُضُوعًا لَهُ: كَانَ أَقْرَبَ إلَيْهِ ، وَأَعَزَّ لَهُ ، وَأَعْظَمَ لِقَدْرِهِ ، فَأَسْعَدُ الْخَلْقِ: أَعْظَمُهُمْ عُبُودِيَّةً لِلَّهِ . وَأَمَّا الْمَخْلُوقُ فَكَمَا قِيلَ: احْتَجْ إلَى مَنْ شِئْتَ تَكُنْ أَسِيرَهُ ، وَاسْتَغْنِ عَمَّنْ شِئْتَ تَكُنْ نَظِيرَهُ ، وَأَحْسِنْ إلَى مَنْ شِئْت تَكُنْ أَمِيرَهُ ، وَلَقَدْ صَدَقَ الْقَائِلُ:

بَيْنَ التَّذَلُّلِ وَالتَّدَلُّلِ نُقْطَةٌ * * * فِي رَفْعِهَا تَتَحَيَّرُ الْأَفْهَامُ

ذَاكَ التَّذَلُّلُ شِرْكٌ * * * فَافْهَمْ يَا فَتًى بِالْخُلْفِ (1)

فَأَعْظَمُ مَا يَكُونُ الْعَبْدُ قَدْرًا وَحُرْمَةً عِنْدَ الْخَلْقِ: إذَا لَمْ يَحْتَجْ إلَيْهِمْ بِوَجْهِ مِنْ الْوُجُوهِ ، فَإِنْ أَحْسَنْتَ إلَيْهِمْ مَعَ الِاسْتِغْنَاءِ عَنْهُمْ: كُنْتَ أَعْظَمَ مَا يَكُونُ عِنْدَهُمْ ، وَمَتَى احْتَجْتَ إلَيْهِمْ - وَلَوْ فِي شَرْبَةِ مَاءٍ - نَقَصَ قَدْرُكَ عِنْدَهُمْ بِقَدْرِ حَاجَتِكَ إلَيْهِمْ ، وَهَذَا مِنْ حِكْمَةِ اللَّهِ وَرَحْمَتِهِ ، لِيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ ، وَلَا يُشْرَكُ بِهِ شَيْءٌ . وَلِهَذَا قَالَ حَاتِمٌ الْأَصَمُّ ، لَمَّا سُئِلَ فِيمَ السَّلَامَةُ مِنْ النَّاسِ ؟ قَالَ: أَنْ يَكُونَ شَيْؤُك لَهُمْ مَبْذُولًا وَتَكُونَ مِنْ شَيْئِهِمْ آيِسًا ، لَكِنْ إنْ كُنْتَ مُعَوِّضًا لَهُمْ عَنْ ذَلِكَ وَكَانُوا مُحْتَاجِينَ ، فَإِنْ تَعَادَلَتْ الْحَاجَتَانِ تَسَاوَيْتُمْ كَالْمُتَبَايِعَيْن لَيْسَ لِأَحَدِهِمَا فَضْلٌ عَلَى الْآخَرِ وَإِنْ كَانُوا إلَيْكَ أَحْوَجَ خَضَعُوا لَكَ . فَالرَّبُّ سُبْحَانَهُ: أَكْرَمُ مَا تَكُونُ عَلَيْهِ أَحْوَجُ مَا تَكُونُ إلَيْهِ . وَأَفْقَرُ مَا تَكُونُ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت