الْكِتَابِ جَمَعَ الكفرين: الْكُفْرَ بِخَاتَمِ الْمُرْسَلِينَ . وَالْكُفْرَ بِحَقَائِقِ صِفَاتِ الرِّسَالَةِ فِي جَمِيعِ الْمُرْسَلِينَ فَهَذَا هَذَا . فَيُقَالُ لَهُمْ - مَعَ عِلْمِهِمْ بِتَفَاوُتِ قُوَى بَنِي آدَمَ فِي الْإِدْرَاكِ -: مَا الْمَانِعُ مِنْ أَنْ يُخْرَقَ سَمْعُ أَحَدِهِمْ وَبَصَرُهُ حَتَّى يَسْمَعَ وَيَرَى مِنْ الْأُمُورِ الْمَوْجُودَةِ فِي الْخَارِجِ مَا لَا يَرَاهُ غَيْرُهُ ؟ كَمَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ" { إنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ وَأَسْمَعُ مَا لَا تَسْمَعُونَ أَطَّتْ السَّمَاءُ وَحُقَّ لَهَا أَنْ تَئِطَّ مَا فِيهَا مَوْضِعُ أَرْبَعِ أَصَابِعَ إلَّا وَمَلَكٌ قَائِمٌ أَوْ قَاعِدٌ أَوْ رَاكِعٌ أَوْ سَاجِدٌ } "فَهَذَا إحْسَاسٌ بِالظَّاهِرِ أَوْ بِالْبَاطِنِ لِمَا هُوَ فِي الْخَارِجِ . وَكَذَلِكَ الْعُلُومُ الْكُلِّيَّةُ الْبَدِيهِيَّةُ قَدْ عَلِمْتُمْ أَنَّهَا لَيْسَ لَهَا حَدٌّ فِي بَنِي آدَمَ فَمِنْ أَيْنَ لَكُمْ أَنَّ بَعْضَ النُّفُوسِ يَكُونُ لَهَا مِنْ الْعُلُومِ الْبَدِيهِيَّةِ مَا يَخْتَصُّ بِهَا وَحْدَهَا أَوْ بِهَا وَبِأَمْثَالِهَا مَا لَا يَكُونُ مِنْ الْبَدِيهِيَّاتِ عِنْدَكُمْ ؟ وَإِذَا كَانَ هَذَا مُمْكِنًا - وَعَامَّةُ أَهْلِ الْأَرْضِ عَلَى أَنَّهُ وَاقِعٌ لِغَيْرِ الْأَنْبِيَاءِ - دَعْ الْأَنْبِيَاءَ - فَمِثْلَ هَذِهِ الْعُلُومِ لَيْسَ فِي مَنْطِقِكُمْ طَرِيقٌ إلَيْهَا إذْ لَيْسَتْ مِنْ الْمَشْهُورَاتِ وَلَا الْجَدَلِيَّاتِ وَلَا مَوَادُّهَا عِنْدَكُمْ يَقِينِيَّةٌ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ نَفْيَهَا وَجُمْهُورُ أَهْلِ الْأَرْضِ مِنْ الْأَوَّلِينَ والآخرين عَلَى إثْبَاتِهَا . فَإِنْ كَذَّبْتُمْ بِهَا كُنْتُمْ - مَعَ الْكُفْرِ وَالتَّكْذِيبِ بِالْحَقِّ وَخَسَارَةِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ - تَارِكِينَ لِمَنْطِقِكُمْ أَيْضًا وَخَارِجِينَ عَمَّا أَوْجَبْتُمُوهُ عَلَى أَنْفُسِكُمْ: أَنَّكُمْ لَا تَقُولُونَ إلَّا بِمُوجَبِ الْقِيَاسِ إذْ لَيْسَ لَكُمْ بِهَذَا النَّفْيِ قِيَاسٌ