فهرس الكتاب

الصفحة 2322 من 16874

وَكَذَلِكَ الْأَجْسَامُ تَنْتَقِلُ أَلْوَانُهَا وَطَعُومُهَا وَرَوَائِحُهَا فَيَسُودُ الْجِسْمَ بَعْدَ ابْيِضَاضِهِ وَيَحْلُو بَعْدَ مَرَارَتِهِ بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ . وَهَذِهِ حَرَكَاتٌ وَاسْتِحَالَاتٌ وَانْتِقَالَاتٌ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي ذَلِكَ انْتِقَالُ جِسْمٍ مِنْ حَيِّزٍ إلَى حَيِّزٍ وَكَذَلِكَ الْجِسْمُ الدَّائِرُ فِي مَوْضِعٍ وَاحِدٍ كَالدُّولَابِ وَالْفَلَكِ هُوَ بِجُمْلَتِهِ لَا يَخْرُجُ مِنْ حَيِّزِهِ وَإِنْ لَمْ يَزَلْ مُتَحَرِّكًا . وَهَذِهِ الْحَرَكَاتُ كُلُّهَا فِي الْأَجْسَامِ وَأَمَّا فِي الْأَرْوَاحِ فَالنَّفْسُ تَنْتَقِلُ مِنْ بُغْضٍ إلَى حُبٍّ وَمِنْ سَخَطٍ إلَى رِضَا . وَمِنْ كَرَاهَةٍ إلَى إرَادَةٍ وَمِنْ جَهْلٍ إلَى عِلْمٍ وَيَجِدُ الْإِنْسَانُ مِنْ حَرَكَاتِ نَفْسِهِ وَانْتِقَالَاتِهَا وَصُعُودِهَا وَنُزُولِهَا مَا يَجِدُهُ . وَذَلِكَ مِنْ جِنْسٍ آخَرَ غَيْرِ جِنْسِ حَرَكَاتِ بَدَنِهِ . وَإِذَا عُرِفَ هَذَا ؛ فَإِنَّ لِلْمَلَائِكَةِ مِنْ ذَلِكَ مَا يَلِيقُ بِهِمْ ؛ وَإِنَّ مَا يُوصَفُ بِهِ الرَّبُّ تَبَارَكَ وَتَعَالَى هُوَ أَكْمَلُ وَأَعْلَى وَأَتَمُّ مِنْ هَذَا كُلِّهِ ؛ وَحِينَئِذٍ فَإِذَا قَالَ السَّلَفُ وَالْأَئِمَّةُ: كَحَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ وَإِسْحَاقَ بْنِ رَاهَوَيْه وَغَيْرِهِمَا مِنْ أَئِمَّةِ أَهْلِ السُّنَّةِ أَنَّهُ يَنْزِلُ وَلَا يَخْلُو مِنْهُ الْعَرْشُ ؛ لَمْ يَجُزْ أَنْ يُقَالَ: إنَّ ذَلِكَ مُمْتَنِعٌ بَلْ إذَا كَانَ الْمَخْلُوقُ يُوصَفُ مِنْ ذَلِكَ بِمَا يَسْتَحِيلُ مِنْ مَخْلُوقٍ آخَرَ فَالرُّوحُ تُوصَفُ مِنْ ذَلِكَ بِمَا يَسْتَحِيلُ اتِّصَافُ الْبَدَنِ بِهِ كَانَ جَوَازُ ذَلِكَ فِي حَقِّ الرَّبِّ تَبَارَكَ وَتَعَالَى أَوْلَى مِنْ جَوَازِهِ مِنْ الْمَخْلُوقِ كَأَرْوَاحِ الْآدَمِيِّينَ وَالْمَلَائِكَةِ .

وَمَنْ ظَنَّ أَنَّ مَا يُوصَفُ بِهِ الرَّبُّ عَزَّ وَجَلَّ لَا يَكُونُ إلَّا مِثْلَ مَا تُوصَفُ بِهِ أَبْدَانُ بَنِي آدَمَ . فَغَلَطُهُ أَعْظَمُ مِنْ غَلَطِ مَنْ ظَنَّ أَنَّ مَا تُوصَفُ بِهِ الرُّوحُ مِثْلَ مَا تُوصَفُ بِهِ الْأَبْدَانُ .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت