فهرس الكتاب

الصفحة 3929 من 16874

يَسْتَحِقُّ أَنْ يُحْمَدَ عَلَيْهَا لِذَاتِهِ ، فَجَمِيعُ الْمَخْلُوقَاتِ فِيهَا إنْعَامٌ إلَى عِبَادِهِ كَالثَّقَلَيْنِ الْمُخَاطَبِينَ بِقَوْلِهِ: { فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ } مِنْ جِهَةِ أَنَّهَا آيَاتٌ يَحْصُلُ بِهَا هِدَايَتُهُمْ ، وَتَدُلُّ عَلَى وَحْدَانِيِّتِهِ ، وَصِدْقِ أَنْبِيَائِهِ ، وَلِهَذَا قَالَ عَقِيبَهُ: { هَذَا نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الْأُولَى } . قِيلَ: مُحَمَّدٌ ، وَقِيلَ: الْقُرْآنُ ، وَهُمَا مُتَلَازِمَانِ ، يَقُولُ: هَذَا نَذِيرٌ أَنْذَرَ بِمَا أَنْذَرَتْ بِهِ الرُّسُلُ ، وَالْكُتُبُ الْأُولَى . وَقَوْلُهُ: مِنْ النُّذُرِ الْأُولَى ، أَيْ مِنْ جِنْسِهَا ، فَأَفْضَلُ النِّعَمِ نِعْمَةُ الْإِيمَانِ وَكُلُّ مَخْلُوقٍ فَهُوَ مِنْ الْآيَاتِ الَّتِي يَحْصُلُ بِهَا مَا يَحْصُلُ مِنْ هَذِهِ النِّعْمَةِ ، قَالَ تَعَالَى: { لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ } وَقَالَ: { تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ } .

وَمَا يُصِيبُ الْإِنْسَانَ إنْ كَانَ يَسُرُّهُ فَهُوَ نِعْمَةٌ بَيِّنَةٌ ، وَإِنْ كَانَ يَسُوءُهُ فَهُوَ نِعْمَةٌ ؛ لِأَنَّهُ يُكَفِّرُ خَطَايَاهُ وَيُثَابُ عَلَيْهِ بِالصَّبْرِ ، وَمِنْ جِهَةِ أَنَّ فِيهِ حِكْمَةً وَرَحْمَةً لَا يَعْلَمُهَا الْعَبْدُ ، { وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ } الْآيَةَ ، وَكِلْتَا النِّعْمَتَيْنِ تَحْتَاجُ مَعَ الشُّكْرِ إلَى الصَّبْرِ ، أَمَّا الضَّرَّاءُ فَظَاهِرٌ ، وَأَمَّا نِعْمَةُ السَّرَّاءِ فَتَحْتَاجُ إلَى الصَّبْرِ عَلَى الطَّاعَةِ فِيهَا ، كَمَا قَالَ بَعْضُ السَّلَفِ: اُبْتُلِينَا بِالضَّرَّاءِ فَصَبَرْنَا ، وَابْتُلِينَا بِالسَّرَّاءِ فَلَمْ نَصْبِرْ ، فَلِهَذَا كَانَ أَكْثَرُ مَنْ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ الْمَسَاكِينُ ، لَكِنْ لَمَّا كَانَ فِي السَّرَّاءِ اللَّذَّةُ ، وَفِي الضَّرَّاءِ الْأَلَمُ ، اشْتَهَرَ ذِكْرُ الشُّكْرِ فِي السَّرَّاءِ وَالصَّبْرِ فِي الضَّرَّاءِ ، قَالَ تَعَالَى: { وَلَئِنْ أَذَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ } - إلَى قَوْلِهِ - { إلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ } الْآيَةَ .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت